السياسة والإعلام في السودان


سعد محمد عبدالله -كاتب سوداني
الراصد الإثيوبي -السودان
الأثنين 23 فبراير 2026
تظل العلاقة بين السياسة والإعلام في السودان علاقةً شديدة التعقيد والتشابك، وقد تشكّلت عبر مسارٍ طويل من التحولات منذ نشأة الدولة الحديثة، وظلت هذه العلاقة تتأرجح بين إنقلابات عسكرية وإنتفاضات شعبية، وبين إنفتاحٍ نسبي وتضييقٍ صارم، حتى في أزمنة الحروب، وللحركة الشعبية تجربة خاصة يمكن الإطلاع عليها؛ فقد كان الإعلام، في كثير من المراحل، ساحةً للصراع بين السلطة والمعارضة، وبين مختلف الأيديولوجيات، وأداةً لتوجيه الرأي العام والتأثير فيه، ومجالًا حيويًا للحوار السياسي والإجتماعي والثقافي، وفضاء واسع يمكن عبره تسويق مشاريع التنمية والسياحة والإستثمار والتجارة العابرة للحدود، وفي هذا السياق، استحضر المفكر والسياسي السوداني د.منصور خالد رؤيته العميقة لطبيعة الأزمة السودانية حين أشار إلى أن جوهرها يكمن في «أزمة إدارة التنوع»، وهو طرحٌ موضوعي وينسحب أيضًا على المجال الإعلامي الذي ظل يدور حول مدارات التعبير عن التعدد ومحاولات الإحتواء أو الإقصاء في دوامة صراعٍ لا يمكن أن يتوقف إلا بإنتاج مشروع إعلامي وطني جديد.
تظل العلاقة بين السياسة والإعلام في السودان علاقةً شديدة التعقيد والتشابك، وقد تشكّلت عبر مسارٍ طويل من التحولات منذ نشأة الدولة الحديثة.
لقد طرح الرفيق القائد مالك عقار رؤىً متقدمة بشأن إصلاح وتطوير الأجهزة الإعلامية، مؤكدًا أهمية تحديث القوانين وبناء مؤسسات إعلامية مهنية تستند إلى معايير الشفافية والإستقلالية، إلى جانب مواكبة التقنيات الحديثة والتحول الرقمي، وقد تناول هذه القضايا خلال ورشة مناقشة مقترحات تعديل قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009م، التي إنعقدت في بورتسودان بتاريخ 26 مايو 2025م، وغيرها من المنابر الإعلامية التي خاطبها؛ كما ناقشنا هذه المسائل في مقال بعنوان «نحو مشروع إعلامي سوداني جديد»، حيث شددنا على أن إصلاح الإعلام السوداني وتحديثه يمثل ركيزةً أساسية في المشروع الوطني الهادف إلى بناء دولة القانون وترسيخ قيم الديمقراطية والحوار السياسي الشفاف وتعزيز وعي المجتمع بدوره في النضال من أجل الحرية والكرامة وحماية الوطن ودعم الإستقرار والتنمية المستدامة.
في فترات الحكم الشمولي، تعرضت الصحف والقنوات للإغلاق أو التوجيه المباشر، ومعاقبة صُناع الرأي على كانوا يصنعون، وغلب على الرسالة الإعلامية الطابع الرسمي، فيما سعت بعض المنابر إلى لعب دور الندّ السياسي في مواجهة السلطة، الأمر الذي أضعف ثقة الجمهور في الإعلام التقليدي وأعاق مسيرة النهضة الوطنية، ومع تصاعد الأزمات السياسية والإقتصادية والأمنية، برزت الحاجة الماسة إلى مشروع إعلامي مستقل يواكب روح العصر، ويكشف الحقائق، ويقود التنوير، ويوثق الإنتهاكات، ويعزز مسارات الحوار والتحرر الوطني، خصوصًا في ظل الحرب الجارية في السودان، وهنا يلتقي هذا الطموح مع رؤية الرئيس السنغالي والأديب ليوبولد سيدار سنغور الذي أكد أن «الثقافة هي بداية السياسة ونهايتها»، بما يعني أن الإعلام، بوصفه حاملًا للثقافة العامة ورافعةً للنهضة، لا يمكن فصله عن مشروع بناء الدولة وترسيخ قيمها وصياغة مستقبلها.
في فترات الحكم الشمولي، تعرضت الصحف والقنوات للإغلاق أو التوجيه المباشر، ومعاقبة صُناع الرأي .
مع ثورة ديسمبر 2018م، وهبوب رياح التغيير من كل ناحية، دخل المشهد الإعلامي مرحلةً جديدة؛ إذ لعبت منصات وسائل التواصل الإجتماعي دورًا محوريًا في نقل الأحداث وكسر إحتكار المعلومة، لكنها في المقابل أفرزت تحديات جسيمة تتعلق بنشر الأخبار المضللة وخطاب الكراهية وتشويه الرأي الآخر، وإتضح مدى صعوبة ضبط الفضاء الرقمي المفتوح، ومن هنا تبرز أهمية بناء علاقة صحية بين السياسة والإعلام، قائمة على إعتماد حزمة إصلاحات قانونية متجددة تكفل حرية التعبير وتحمي الصحفيين، وتؤسس لمؤسسات مهنية مستقلة وقابلة للتطور وتمارس دورها الرقابي دون إنحياز أو تضييق من أي جهة، وقد شدد الرئيس الغامبي أداما بارو على أن الديمقراطية لا تستقيم دون وجود إعلام حر ومسؤول يعكس صوت الشعب ويحمي مكتسباته، وأعتقد أن الإعلام الحر ليس ترفًا ولا خصمًا في السياسة، بل هو ركيزة أساسية لبناء دولة القانون والمواطنة وتحقيق التحول الديمقراطي المنشود في السودان.
،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،
عودة السودان إلى الاتحاد الإفريقي – الراصد الاثيوبي – ETHIO MONITOR



