أربعينية الوالدة آمنة عمر محمد دِكُو (دولة)


سعد محمد عبدالله -كاتب سوداني
الراصد الإثيوبي -السودان
الثلاثاء 20 يناير 2026
قَوْسُ قُزَحٍ ،،، قَوْسُ قُزَحٍ
أَيْــنَ أَنْتَ؟
أُمِّـــي بِحَاجَةٍ إِلَى وِشَاحٍ
يُلَائِمُ بَشَرَتَهَا.
الشاعر: ريسوم هايلي
نقف اليوم، في مطلع العام الجديد، مع أنفسنا لنتأمّل العالم الفسيح من حولنا في ظِل الحرب وفقدان أحب الناس إلى قلوبنا، وبعد أربعين يومًا من فراق الوالدة الغالية آمنة عمر محمد دِكُو (دولة)، وما تزال القلوب مثقلةً بحزنٍ كبير يصعب على الإنسان وصف دويّ وقعه، وذلك الثقب الذي حفره في عمق الفؤاد، ولكن الذاكرة عامرة بسيرتها العطرة التي تُلوّن كل تفاصيل حياتنا اليومية، وهذه أربعون يومًا مضت، لكنها لم تغب عن أرواحنا لحظة واحدة؛ فما زال حضورها حيًّا في البال والفكر والضمير، وستبقى سيرتها إلي الأبد.
ما زلنا نتألم، ونتعلّم من الحياة دروسًا ما كنّا نعرفها من قبل، ولن ننساها بعد اليوم، وأجد نفسي بعد مرور أربعين يومًا على رحيل والدتي، لا أستطيع إخفاء إرتيابي من خفايا المستقبل، بيد أنّني مؤمن بضرورة الإستمرار في الطريق حتى النهاية؛ فينبغي علينا قبول المصير كيفما كان، وإذ نواصل هذه المسيرة القاسية، ندرك أنّ لكل إنسان قصة يجب أن يرويها للأجيال من خلال أفعاله وأقواله وآماله، منذ الميلاد، مرورًا بالحياة في الدنيا، وأخرى في عالم الخلود الأبدي.
إن من العادات العظيمة التي رسّخها شعبنا الكريم في وجدان الأجيال، سؤال الناس بعد إنقضاء أيام العزاء بكلمات دافئة: «كيف مع الصبر؟»، وهو سؤال بسيط في لفظه، عميق في معناه، يربط القلوب برباط من اليقين لا ينفصم، ويمنح قلب المفجوع شعورًا دافئًا وصادقًا بأن الجميع ما زالوا يقفون بقلوبهم وألسنتهم إلى جانبه، يتفقدونه، ويشدّون من أزره، ويحثّونه على التماسك والصمود في حزنه، وهذه مواساة لا تنقطع من اليوم الأول للفاجعة، مرورًا بالأربعين، وحتى نهاية العام.
إن من العادات العظيمة التي رسّخها شعبنا الكريم في وجدان الأجيال، سؤال الناس بعد إنقضاء أيام العزاء بكلمات دافئة: «كيف مع الصبر؟».
تلك عادات حميدة ورثناها عن أسلافنا منذ الأزل، تعبّر عن إنسانية مجتمعنا وتماسكه في أوقات الشدّة، ومن واجبنا الحفاظ عليها وترسيخها في حياتنا، لأنها تشكّل أساسًا متينًا لبناء مجتمع متعاون، متراحم، متسامح، لا يترك أبناءه وحدهم في لحظات الألم التي تأتي بغتة، كأنها نارٌ مشتعلة لا تُبقي ولا تذر؛ فعند وقوع مثل هذه المصائب، تنفتح أعين الناس على هشاشة هذه الحياة وقصرها، وندرك ضرورة أن نعيشها بسلام، وأن نستلهِم العِبر والحِكم من القيم التي ورثناها، فنحيا بها، ونترك أثرًا طيبًا للأجيال القادمة.
كانت أمي العزيزة “رحمها الله” مثالًا للأم الصابرة، الصامدة، الحنون، الطيبة، الكريمة؛ التي أعطت بلا حساب، وضحّت بصمت، وربّت بالحب والكلمة الطيبة، وساهر طرفها الليالي من أجل أن ينام أبنائها بسلام، وقد عاشت حياتها بسيطة في ظاهرها، عظيمة في معناها، لا تعرف إلا الخير، ولا تنطق إلا صدقًا، وتسبح بحمد ربها، وتزيد الصبر صبرًا وسط تحولات سياسية وإجتماعية عاشتها أسرتها عبر الأزمنة، ولا تحمل في قلبها إلا الرحمة، وقد شهد لها كل من عرفها وعاصرها بأنها إنسانة طيبة، لطيفة، وقوية في المواقف الصعبة.
هنالك من الأشياء ما لا يمكنني نسيانها في حياتي؛ فحين أنظر إلى منزلنا أتذكر صوت أمي الغالية عندما تناديني باللقب الذي إختارته لي، ولكن لم يكن أحدًا يناديني به سواها “دُودُو”، وأذكر آخر ما إحتسيت من طعام، وكوب الشاي الذي صنعته بيديها الطاهرتين عند الصباح، قبل رحيلها، وأتذكّر تلك العلاقة الوطيدة بينها وبين شجرة الحِنّاء التي أحبها لحب أمي لها، وظلت تزرعها إلى جانب مزيرتها، وكانت ترعاها بلطف وحنية صباحًا ومساءً، وتتحدث عن طيبها، وتعتبرها مصدرًا للخير، وبعد رحيلها، باتت الشجرة وحيدة، بل بلا روح في بيت حاصرته الفواجع والمواجع.
علّمتني أمي العزيزة معنى الصبر عند الشدائد، والرضا بقضاء الله وقدرهِ؛ فكانت ترى أن الحياة مثّل المياه الجارية التي لا تتوقف، وأن الموت حق، وكانت ملجأً للضعيف، وسندًا لأسرتها، وبلسمًا للحزين، ونبعًا لنهر لا ينضب من الدعاء الصادق النابع من قلبٍ مُخلص، وما زلت أتذكر صوتها وهي تردد دعاء النبي زكريا عند كل صلاة: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، وهي كلماتٍ عظيمة تحمل في طياتها حب الإنسان للأبناء، وقد تركت في قلبي أثرًا لا يمحوه الزمن مهما تغيّر.
الأم والأب، هما رمزان خالدان في صفحات الحياة، يحملان هوية الأبناء وذاكرة البيت والعائلة، نهران من الحكمة والعطف ينسابان بلطف غامر وكرم فياض عبر روايات عن تجارب رسختها مسارح الأدب الفولاني والإفريقي، ويحييان مثّل السماء والبحر، إذ أن الأب والأم يرويان ظمأ القلوب كما في هو أعماق الحكايات والأناشيد التي تناقلتها الأجيال عن الأسلاف، ودوّنها الشعراء والأدباء على مرّ العصور، وستظل هذه اللوحات الإنسانية الرائعة معلّقة على أبواب البيوت وقلوب الأبناء؛ فلكل إنسان قصة خاصة في هذه الحياة وذكريات عاشها مع أبويه، ولن ينساها أبدًا.
اليوم، بعد أن رحلا عنّا كما ترحل غيوم الشتاء بلا عودة، تركانا في فضاء ملبّدٍ بكل هموم الدنيا، وقد صارت الحياة أشد قسوة، في عالم غطّاه الظلام، بلا من يرشدنا إلى الطريق، ولا شعلة تُنِير دروبنا، ولكن مع ذلك، فقد غرسا فينا دروس الصبر والمثابرة والصمود، وعلّما قلوبنا أن نسير إلى الأمام رغم إنطفاء المصابيح، وأن نحتفظ بكلمة الأمل في قلب الليل، كما لو أنّهما لا يزالان يقودان خطواتنا من بعيد، بصمتهما، وذكراهما الحيّة والباقية فينا ما دمنا على قيد الحياة.
الأم والأب، هما رمزان خالدان في صفحات الحياة، يحملان هوية الأبناء وذاكرة البيت والعائلة، نهران من الحكمة والعطف ينسابان بلطف غامر وكرم فياض عبر روايات عن تجارب رسختها مسارح الأدب الفولاني والإفريقي.
يا أمّنا الغالية، “دولة-أمنة” نودّعك اليوم بعيون دامعة؛ فقد كنا معًا في بيت واسع ضاق بعدك، ونعتك أزهاره وطيوره وشجرة الحِنّاء الحزينة، وفقدت الشمس لونها بعد رحيلك، وقد زرعتِ خيرًا فحصدتِ دعاءً، وغرستِ حبًّا فحصدتِ وفاءً، وكان الحب عهدًا ووعدًا، ونسأل الله عز وجل أن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يبدلك دارًا خيرًا من دارك، وأهلًا خيرًا من أهلك، وأن يجمعنا بك في مستقر رحمته مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.
أتقدّم مجددًا بخالص الشكر والتقدير لكل من وقفوا إلى جانبنا في محنة فقدان والدتنا العزيزة الحاجة آمنة عمر دِكُو، التي رحلت إلى جوار ربها قبل أربعين يومًا خلت، وقد تلقّينا من أهلنا الأعزاء في مايرنو، ومن قادة الدولة، ومن السادة السياسيين والعسكريين والإعلاميين بمختلف مشاربهم ومقاماتهم الرفيعة، كلماتٍ صادقة ومعبرة في العزاء والمواساة والدعاء؛ فكان لحضوركم، وسؤالكم، ومواساتكم النبيلة بالغ الأثر في التخفيف من وطأة هذا الفقد الجلل، و وقع المصاب الأليم، ولله الحمد على كل حال.
،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،
ضرورة فتح ملف جرائم الإبادة الجماعية في السودان – الراصد الاثيوبي – ETHIO MONITOR



