
نميرة نجم: الفساد يهدد استقلالية المنظمات الدولية
الراصدالإثيوبي -متابعات
السبت 17 يناير 2026
قالت السفيرة الدكتورة نميرة نجم، خبيرة القانون الدولي، إن التدخلات المباشرة من الدول الأعضاء في قرارات التوظيف داخل المنظمات الدولية تشكّل أحد أبرز التحديات التي تهدد استقلالية وحياد هذه المؤسسات، ولضمان أن تكون عمليات التوظيف في هذه المنظمات قائمة على الجدارة والاستقلالية، فإن ذلك يتطلب إصلاحات جوهرية، منها تعزيز دور الرؤساء بعيدًا عن المكافآت السياسية، وتقليل التدخل البشري في مراحل الفرز الأولى للوظائف الدولية، وتجنّب تكتّل موظفي الموارد البشرية من الجنسية نفسها، إضافة إلى الالتزام الصارم بقواعد المنظمات من قبل لجان التوظيف، وعدم السماح لموظفي الموارد البشرية بالتأثير على قراراتهم.
جاء ذلك أثناء حديث السفيرة في جلسة «قرارات التوظيف، الولاءات الوطنية والفساد» بورشة الخبراء الدولية تحت عنوان «الاستحواذ المؤسسي على المنظمات الدولية»، التي استضافتها جامعة باريس لودرون في سالزبورج بالنمسا.
وشددت السفيرة الدكتورة نميرة نجم، من واقع خبرتها الطويلة في العمل المؤسسي الدولي والأفريقي، على أهمية تطوير أنظمة التدقيق الداخلي والخارجي في المؤسسات الدولية، ومراجعتها بشكل دوري لضمان الحيادية والشفافية، مشيرةً إلى أن بعض الدول تحاول تفضيل مواطنيها في المناصب العليا بهذه المنظمات، وأحيانًا تتدخل خلف الكواليس لضمان ترقيتهم أو بقاء موظفين غير كفؤين في مواقع حساسة. وأضافت: «في كثير من الأحيان، يُفترض أن موظف المنظمات الدولية مخلص لبلده، وأحيانًا يكون مخلصًا أيضًا للدولة التي تدعمه ماليًا، وهذا يخلق صعوبة كبيرة في الحفاظ على الحيادية».
كما أكدت أن التدخلات السياسية يمكن أن تؤثر على محتوى التقارير الرسمية للمنظمات، حيث يتم إرسال نسخ مبكرة إلى أعضاء مجلس الأمن في منظمة الأمم المتحدة قبل إصدارها رسميًا، مما يتيح للدول تعديل محتواها بما يتوافق مع مصالحها. وفي هذا السياق، يعتمد الأمر على مدى تأثير الدول في فرض إرادتها منذ البداية، وإلى أي حد تمكّنت من التغلغل في النظام من خلال موظفيها أو التكنولوجيا.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن مكافحة الفساد في المنظمات الدولية تتطلب تطوير أنظمة التدقيق، واستخدام مجالس مدققين خارجيين تتغير بشكل دوري، ومراجعة صارمة لعمل المدققين الداخليين، مع تغييرات منتظمة لهم لضمان الحيادية والشفافية.
وتناولت جلسات الورشة سبل تأثير الدول الأعضاء والجهات الفاعلة المختلفة على عمل المنظمات الدولية، بما في ذلك الضغوط المالية، والمساهمات المقيّدة، إضافة إلى آليات الرقابة والمساءلة، وسبل بناء المرونة القانونية داخل المنظمات الدولية، إلى جانب استعراض الأدوات القانونية المتاحة لحماية استقلال المنظمات الدولية وتعزيز قدرتها على أداء ولاياتها وفق قواعد القانون الدولي.
وهدفت الورشة إلى تحليل الأبعاد القانونية والمؤسسية لهذه الظاهرة، مع تركيز خاص على دور أمانات المنظمات الدولية، وبحث سبل تعزيز استقلاليتها وفعاليتها، وتطوير استجابات قانونية ومؤسسية قائمة، وحلول مستقبلية (de lege lata وlex ferenda).
وناقشت الورشة في ذلك أربعة محاور رئيسية:
المحور الأول مفاهيم الاستقلالية والحياد والولاية القانونية للمنظمات الدولية، والأسس النظرية لفهم الاستحواذ المؤسسي.
المحور الثاني أثر المساهمات المالية المقيّدة، وتخفيضات الميزانيات، والعقوبات على استقلال القرار داخل المنظمات الدولية.
المحور الثالث يركّز على قرارات التوظيف، والولاءات للدول الأصلية، ومخاطر الفساد، وانعكاسها على الاستقلال الوظيفي.
المحور الرابع بحث آليات الرقابة الداخلية والدولية، وسبل تعزيز المساءلة وبناء المرونة القانونية في مواجهة الاستحواذ المؤسسي.
وشارك في الورشة عدد من الخبراء والأكاديميين الدوليين، من بينهم: كيرستن شمالنباخ (ألمانيا، جامعة سالزبورج)، كاثرين برولمان (هولندا، جامعة أمستردام)، ليزبث تسيمرمان (ألمانيا، جامعة غوته – فرانكفورت)، منى علي خليل (الولايات المتحدة، مسؤولة سابقة بالأمم المتحدة)، كريستينا دوجيرداس (الولايات المتحدة، جامعة ميشيغان)، برنهارد راينسبيرغ (المملكة المتحدة، جامعة غلاسكو)، أنتونيا بيريرا دي سوزا، مسؤولة دولية (البرتغال/هولندا، المحكمة الجنائية الدولية)، فيليب بيتنر (النمسا، وزارة الشؤون الأوروبية والدولية)، كريستيانه أهلبرون (أيرلندا، كلية ترينيتي – دبلن)، أندرياس دور (النمسا، جامعة سالزبورغ)، رامسيس أ. فيسل (هولندا، جامعة غرونينغن)، دينيس شميت (المملكة المتحدة، جامعة دورهام)، وتسيون ديميسي بيرجانو (إثيوبيا، الاتحاد الأفريقي).
وقد نُظِّمت الورشة من قبل جامعة سالزبورج – قسم القانون الدولي العام والقانون الأوروبي وأسس القانون، في إطار مشروع بحثي أكاديمي ممول من صندوق العلوم النمساوي (FWF)، وهدفت إلى بحث التحديات القانونية والمؤسسية التي تواجه المنظمات الدولية نتيجة الضغوط السياسية والمالية والإدارية، وانعكاس ذلك على استقلاليتها وحيادها وقدرتها على تنفيذ ولاياتها.



