مقالات

ألف يوم على حرب اللّاكرامة

نون كشكوش المحامي -مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان
الراصد الإثيوبي -يوغندا 
الأحد 9ديسمبر2026

 

ادّعياءُ الحربِ كالحربِ تمامًا،
وأولياءُ السِّلمِ لا خوفٌ عليهم
ولا هم يحزنون.
وإذا مرّوا بهم قالوا: سلامًا،
وإذا غُمَّ بهم نادَوا: وطنًا.
هذه الحربُ وَثَن.

الطلقة الأولى لم تُطلق صبيحة 15 أبريل 2023م، وإنما كان ذلك رشاشًا متتابعًا من العنف المادي والمعنوي، ظلت الحركة الإسلامية تستخدمه بخبثٍ محكم في التاريخ السياسي السوداني، كأداة تفكيك خبيثة لأي مبادرات أو اتفاقيات للسلام والتعايش الاجتماعي بين السودانيين، إن لم تكن هي من يشعلها ابتداءً.

 استُخدم الدين السياسي من قبل السلطة كأداة لتصفية الخصوم في ميدان الفكر والسياسة.

في العام 1983م أُعلنت قوانين سبتمبر (الشريعة الإسلامية)، وتم تعديل القانون الجنائي السوداني ليشمل جرائم الحدود، فصودرت حرية الفكر والرأي، واستُخدم الدين السياسي من قبل السلطة كأداة لتصفية الخصوم في ميدان الفكر والسياسة.

وكانت محصلة هذه القذارة تنفيذ حكم الردة على الأستاذ المفكر محمود محمد طه قبل 41 عامًا، إضافة إلى استهداف الأب فيليب غبوش وكثير من المناضلين.

تلك القوانين (سبتمبر)، إلى جانب بعض الإجراءات الأخرى، كانت القشة التي قصمت ظهر اتفاقية أديس أبابا، التي أقرت بالتعدد الديني والثقافي، والتي تُعد أول اتفاقية سلام تم توقيعها في فبراير 1972م بين حكومة جعفر نميري وحركة الأنانيا، ممثلة في حركة تحرير جنوب السودان، بعد حرب طويلة اندلعت منذ العام 1955م.
وقد أوقفت الاتفاقية الحرب لمدة أحد عشر عامًا، ازدهر فيها جنوب السودان، وتعززت روح الوحدة، وشهدت بعض مشاريع التنمية والخدمات.

بعدها استمرت الحرب بين حكومات الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان حتى توقيع اتفاقية الميرغني–قرنق في نوفمبر 1988م، خلال فترة الديمقراطية الثالثة.

استمرت حرب الجنوب حتى العام 2005م، حين وقّعت حكومة الإنقاذ اتفاقية نيفاشا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، بعد أن استنزفت الحرب كل أمل الإخوة الجنوبيين في سودان يسع الجميع.

وكان من أهم بنودها تجميد قوانين سبتمبر، والتحضير لمؤتمر قومي دستوري يناقش قضايا الدين والدولة ونظام الحكم، وتأسيس دولة الحقوق والحريات العامة.
كما نصت الاتفاقية على أهمية دولة الوحدة التي تقبل التنوع الإثني وتحقق العدالة للجميع. ويُعد ذلك تطورًا سياسيًا ودستوريًا مهمًا، كأول اتفاق يناقش شكل الدولة المدنية بصورة واضحة.

وكعادة خفافيش الظلام الإسلاموي، أعداء السلام والتعايش والديمقراطية، لم تمضِ ستة أشهر حتى قطعت الحركة الإسلامية، بانقلابها المشؤوم في 30 يونيو 1989م، اتفاق سلام كان يمكن أن يجنب السودانيين استمرار الحرب ومخاطر التقسيم.

استمرت حرب الجنوب حتى العام 2005م، حين وقّعت حكومة الإنقاذ اتفاقية نيفاشا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، بعد أن استنزفت الحرب كل أمل الإخوة الجنوبيين في سودان يسع الجميع. وقد ضمنت الاتفاقية حق تقرير المصير، ولم يبذل فيها الإسلاميون ما يجعل الوحدة جاذبة، حتى انفصل جنوب السودان في العام 2011م.

شهدت فترة حكم الإنقاذ المخلوع اشتعال نصف أقاليم السودان بالنزاعات في دارفور، وجنوب كردفان، ومنطقة النيل الأزرق، وشرق السودان. وبذلك توقفت الدولة عن أداء واجب التنمية والرعاية، فأُفقرت الولايات، وتمركزت الخدمات في العاصمة الخرطوم، حتى ضاقت بالسكان نتيجة شح فرص العمل وضعف الخدمات، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وصاحب ذلك سياسة أخطبوطية لتمكين أعضاء النظام المخلوع في المجتمع والدولة.

 

شهدت فترة حكم الإنقاذ المخلوع اشتعال نصف أقاليم السودان بالنزاعات في دارفور، وجنوب كردفان، ومنطقة النيل الأزرق، وشرق السودان

انتفضت جماهير الشعب السوداني في ثورة عظيمة ، وتنفس السودانيون الحرية بإسقاط نظام البشير، وبدأت تباشير الانتقال في مساحات الحريات العامة، وإعفاء الديون، ورفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتحسن نسبي في ملفات الانتهاكات وحقوق الإنسان، وتفكيك التمكين، رغم العقبات الناتجة عن استخدام الإسلاميين لعلاقات المصالح والتآمر مع مجموعات تكوّنت خلال فترة حكم استمرت ثلاثين عامًا.

واجهت الفترة الانتقالية محاولات قفل طريق شرق السودان، إضافة إلى تدبير أجهزة الظل للفتن عبر إشعال النزاعات الأهلية في دارفور وكردفان والشرق، وغيرها من الأساليب الخبيثة.

جاء انقلاب 25 أكتوبر كمحصلة لتحالف القيادات الإسلاموية في الجيش والدعم السريع، إلى جانب تحالفاتهم الأخرى الداعمة للحرب.

تنازلت القوى السياسية حفاظًا على سلام البلاد وحمايتها من الانزلاق نحو الهاوية، في ظل التصعيد المصنوع والتلويح العلني بالحرب من قبل أعضاء التنظيم الإخواني الإسلاموي، مثل أنس عمر وآخرين، بالتهديد والوعيد في حال التوقيع على الاتفاق الإطاري. وقد نفذوا ما هددوا به، وأطلقوا رصاصة 15 أبريل 2023م.

نازلت القوى السياسية حفاظًا على سلام البلاد وحمايتها من الانزلاق نحو الهاوية، في ظل التصعيد المصنوع

حصيلة الف يوم من الحرب ملايين من المدنيين نازحون ولاجئون في دول الجوار، وآلاف القتلى والمختفين قسرًا، وحالات اغتصاب وإبادات جماعية وفق التصنيف الإثني والعرقي، وانعدام لحماية المدنيين، واعتداءات على قوافل المساعدات الإنسانية.

واليوم يتنازع السودان بين حكومتين لطرفي الحرب في بورتسودان ونيالا، وربما، في ظل استمرار الحرب وآثارها العميقة، يقاد السودان مجددًا نحو انفصال جديد.

لن يصل الطرفان إلى وقف الحرب ما لم يتصدَّ لهم السودانيون بوحدة القوى المدنية المؤمنة بالتحول المدني الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، وعلو إرادتهم في تقرير كيفية وقف الحرب واستدامة السلام، من أجل سودان الحرية والعدالة.

،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،

التدخل الأمريكي في فنزويلا:عدالة أم مصالح – الراصد الاثيوبي – ETHIO MONITOR

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  (To Type in English, deselect the checkbox. Read more here)
زر الذهاب إلى الأعلى
Lingual Support by India Fascinates