مقالات

نحو مشروع وطني لبناء الدولة والمجتمع 

سعد محمد عبدالله-كاتب سوداني 

الراصد الإثيوبي -السودان 

الثلاثاء 17 مارس 2026 

لقد أفرزت الحرب التي فُرضت على السودان واقعًا بالغ القسوة؛ إذ خلّفت دمارًا واسعًا في مؤسسات الدولة، وألقت بظلالها الثقيلة على المجتمع الريفي والحضري، الذي وجد نفسه يرزح تحت وطأة الفقر والنزوح واللجوء؛ فتفشّت مشاعر الإحباط واليأس في أوساط المواطنين، وهذا الوضع المأساوي لا يمكن التعامل معه البتة بحلول جزئية أو معالجات آنية، بل يتطلب رؤية وطنية شاملة تقودها إرادة سياسية واعية تسعى إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، ومن هنا تبرز أهمية مساعدة أصدقاء السودان في إطلاق حوار سودانوي واسع تشارك فيه مختلف القوى السياسية والمجتمعية والفكرية، باستثناء من يسعون إلى تفكيك السودان ورهن قراره السيادي للآخرين؛ ليكون هذا الحوار منصة لصياغة مشروع وطني جامع يضع أسس موضوعية للتعافي السياسي والإقتصادي والثقافي، ويجب أن يتجاوز هذا الحوار الخلافات الضيقة والأدوات القديمة، ويتجه نحو معالجة جذور الأزمة وفق منهج صحيح، من خلال ترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة بناء وشائج الثقة بين مكونات المجتمع، وينبغي كذلك أن يفضي إلى وضع خطط علمية وعملية لإعادة إعمار السودان، وتحقيق العدالة الإنتقالية، وتهيئة المناخ لعودة النازحين واللاجئين، بما يعيد للمجتمع تماسكه، ويمنح الدولة فرصة للنهوض مجددًا على قاعدة من التوافق الوطني والإرادة المشتركة.

برز أهمية مساعدة أصدقاء السودان في إطلاق حوار سودانوي واسع تشارك فيه مختلف القوى السياسية والمجتمعية والفكرية.

إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى مشروع وطني قائم أعمدة خارطة الطريق الحكومية المطروحة من أجل معالجة الأزمة الحالية وتأسيس دولة تقوم على السلام والحرية والمواطنة المتساوية، حيث تتلاشى الفوارق القائمة على العرق أو اللون أو الجهة أو الإنتماء الإيدولوجي الضيق، ويتطلب ذلك مواجهة خطاب الكراهية والعنصرية بحزم، والعمل على بناء خطاب بديل يعزز قيم التعايش والتسامح والإحترام المتبادل بين المكونات الإجتماعية؛ كما تبرز ضرورة إطلاق عمليات مصالحة إجتماعية حقيقية تستند إلى الإرث الثقافي والإجتماعي العميق للمجتمع السوداني، الذي ظل عبر تاريخه الممتد قادرًا على أن يكون معبرًا لتجاوز الأزمات وتضميد الجراح الغائرة في أعماق الأنفس، وإستلهام هذه القيم الإنسانية يمثل المدخل الأساسي لإعادة بناء النسيج الإجتماعي، وإغلاق أبواب الفتنة التي تسعى بعض الجهات المعادية للوطن وشعبه إلى تأجيجها بخطاب الإثنية والتفرقة العنصرية؛ فحين يُبنى المجتمع على أساس إنساني جامع، يصبح أكثر قدرة على مقاومة النزعات التعصبية الضيقة وأقوى من شبح الحرب، وأكثر إستعدادًا للإنخراط في مشروع وطني يضع مصلحة البلاد فوق كل إعتبار، وهذه المهمة لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود العاملين في الفضاءات الفكرية والإعلامية، إلى جانب القيادات المجتمعية في الريف والمدينة، من أجل ترسيخ ثقافة جديدة تعيد الإعتبار للإنسان بوصفه القيمة العليا في معادلة البناء والإستقرار.

السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى مشروع وطني قائم أعمدة خارطة الطريق الحكومية المطروحة من أجل معالجة الأزمة الحالية وتأسيس دولة تقوم على السلام والحرية والمواطنة المتساوية.

ما يشهده السودان اليوم من مظاهر العنف والإنفلات ليس إستثناءً في مسار التاريخ الإنساني؛ فقد عرفت العديد من الدول، خاصة في القارة الإفريقية، تجارب مشابهة من الحروب والصراعات التي خلّفت آثارًا عميقة في بنيتها الإجتماعية والسياسية والثقافية؛ غير أن تلك التجارب، على قسوتها، أفرزت دروسًا مهمة يمكن الإطلاع عليها وتقيمها والإستفادة منها في محاولات تجاوز المحن وبناء مستقبل أكثر استقرارًا، ومن هنا تتضح الحاجة إلى تبنّي خطاب سياسي وإعلامي تفاعلي وتفاؤلي، يعمل على تفكيك رواسب الماضي، ويحد من تأثيراتها السلبية على الحاضر، عبر تعزيز ثقافة التسامح والإعتراف المتبادل والعيش السلمي المشترك، والإنطلاق إلى المستقبل، وفي هذا السياق، يظل الإستثمار في الشباب والنساء أمرًا حاسمًا لا ريب فيه؛ إذ إن بناء دولة السلام والعدالة يتطلب صعود جيل جديد من القيادات الشابة المتعلمة والمستنيرة إلى مواقع صنع القرار، ولذلك يجب تمكينهم من الإسهام الفاعل في صياغة وتنفيذ السياسات العامة؛ فالشباب والنساء، بما يمتلكونه من طموحات وطاقات وأفكار متجددة، يمثلون ركيزة أساسية لأي مشروع وطني نهضوي، ولا يمكن تحقيق التنمية الشاملة دون مشاركتهم الحقيقية في مختلف المجالات، وهذا ما يتطلب تحقيق التوازن في الفرص والحقوق والمسؤوليات بين جميع فئات المجتمع، بما يشكل الأساس المتين لبناء دولة حديثة قادرة على مواجهة التحديات والإنطلاق بثقة وثبات نحو مستقبل يسوده الإستقرار والإزدهار.

إذ إن بناء دولة السلام والعدالة يتطلب صعود جيل جديد من القيادات الشابة المتعلمة والمستنيرة إلى مواقع صنع القرار.

هنا نطرح محاولة لقراءة المشهد العام وتقديم رؤية لمعالجة تداعيات الحرب في السودان، والتي تسببت في تدمير واسع لمؤسسات الدولة وأثّرت بعمق على المجتمع بكل فئاته، حيث تفاقمت معاناة المواطنين نتيجة الفقر والنزوح واللجوء، مما دفع كثيرين إلى حافة الإحباط واليأس، ويطرح هذا الواقع المعقد والمتشابك سؤالًا جوهريًا حول أهمية وقابلية تبنّي مشروع وطني شامل يهدف إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة، من خلال إطلاق حوار سوداني شامل يضم مختلف القوى الوطنية دون إقصاء أو فرز، باستثناء من يقفون في صف تقويض الدولة الوطنية، ويقود ذلك إلى وضع خطط متكاملة للتعافي السياسي والإقتصادي والثقافي، مع تعزيز الثقة بين مكونات المجتمع، في إطار دولة تقوم على قيم السلام والحرية والمواطنة المتساوية؛ كما تبرز ضرورة محاربة خطاب الكراهية والعنصرية، وهو أساس كوارث السودان، والعمل على تحقيق مصالحة إجتماعية حقيقية تستند إلى الإرث الثقافي السوداني، وهذه مسؤولية القيادة الوطنية التي يقع على عاتقها توفير دعائم التماسك الإجتماعي والحد من آثار النزاعات وإنهاء أسباب إندلاعها؛ وكما أشرنا آنفًا، فإن السودان ليس حالة إستثنائية، بل هو إمتداد لتجارب دول أخرى من حولنا، وعلينا الإستفادة من دروسها في إدارة شؤون المجتمعات بما يجنّبنا الإنزلاق نحو أزمات متجددة لا نهاية لها، ومن المؤكد أن بناء دولة مستقرة ومتطورة يتطلب تمكين الشباب والنساء من المشاركة الفاعلة والعادلة في كابينة القرار الوطني، باعتبارهم ركيزة أساسية للتنمية والنهضة، وأن تحقيق العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات هو الطريق الآمن للعبور نحو مستقبل أكثر إستقرارًا وازدهارًا.

،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،

أقنعة الإرهاب من منظور أقطاب العالم الجديد – الراصد الاثيوبي – ETHIO MONITOR

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  (To Type in English, deselect the checkbox. Read more here)
زر الذهاب إلى الأعلى
Lingual Support by India Fascinates