أقنعة الإرهاب من منظور أقطاب العالم الجديد


سعد محمد عبدالله-كاتب سوداني
الراصد الإثيوبي -السودان
الجمعة 13 مارس 2026
يشهد العالم في السنوات الأخيرة تحولات عميقة تعيد تشكيل ملامح النظام الدولي بعيدًا عن الأسس التي قامت عليها المنظومة عقب الحرب العالمية الثانية؛ فقد كانت تلك المرحلة التاريخية نقطة إنطلاق لقيام مؤسسات دولية وتنظيمات متعددة الأطراف صُممت لحفظ السلم والأمن الدوليين وتنظيم العلاقات بين الدول وفق مواثيق واضحة، لكن التطورات السياسية والإقتصادية والعسكرية المتسارعة في كوكبنا أفرزت واقعًا جديدًا باتت فيه مراكز النفوذ العالمية محصورة في أقطاب محددة تمتلك القدرة على توجيه القرار الدولي، وتتمتع هذه القوى بقدرات إقتصادية ضخمة ونفوذ سياسي وأمني يمكّنها من صياغة وفرض رؤيتها وتوجهاتها على كثير من القضايا الدولية، سواء عبر العقوبات أو الضغوط السياسية أو التأثير داخل المؤسسات الدولية، وفي هذا الواقع الماثل أمامنا تبرز الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الأكثر تأثيرًا في المعسكر الغربي وصاحبة الدور الأكبر في صناعة السياسات الدولية، وهذا الموقع يمنحها نفوذًا واسعًا، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية كبيرة؛ فتلك الدول التي تمتلك القدرة على التأثير في مصائر الشعوب والبلدان مطالبة بأن تستند قراراتها إلى جملة من حقائق الواقع، وأن تراعي مبادئ العدالة والإنصاف، حتى لا تتحول تلك القرارات إلى أدوات للإنتقائية أو إلى مصدر للشكوك والإنتقادات من قبل الشعوب التي يفترض أن هذه السياسات تسعى لحماية حقوقها وتعزيز الإستقرار في أوطانها.
إن تصنيف جماعات معينة باعتبارها إرهابية مع تجاهل ممارسات جماعات أخرى متهمة بارتكاب إنتهاكات مماثلة أو أشد يثير جدلًا واسعًا حول مسألة إزدواجية المعايير في السياسة الدولية.
قبل فتح ناصية الحديث عن مسألة فرض العقوبات الدولية على الجهات المتهمة بالدليل والبرهان بأنها إرتكبت إنتهاكات جسيمة في السودان، وتلك حقيقة لا غبار عليها؛ ينبغي التوقف كثيرًا عند الواقع المأساوي الذي يعيشه السودانيون اليوم في ظل الحرب التي فُرضت عليه وما صاحبها من مظاهر عنف وإنتهاكات واسعة؛ فكل التقارير والشهادات القادمة من مناطق عديدة تشير إلى ممارسات وفظائع قاسية جدًا طالت المدنيين وممتلكاتهم، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وتدمير قرى ومرافق خدمية كثيرة، وتبرز هنا الإتهامات المسنودة بوثائق قاطعة ضد مليشيا الدعم السريع الإرهابية حول إرتكابها إنتهاكات جسيمة شملت القتل والتشريد والنهب وتدمير البنية التحتية، وهو ما خلق حالة إنسانية وأمنية شديدة التعقيد، وقد جاء هذا الوضع بعد أن تمكن الشعب السوداني عبر ثورة ديسمبر المجيدة من إسقاط النظام السابق، معبرًا عن تطلعه إلى بناء دولة جديدة تقوم على السلام والمواطنة المتساوية وسيادة القانون؛ لذلك يطرح كثير من السودانيين تساؤلات عميقة بشأن المعايير التي تعتمدها القوى الدولية في تصنيف وتوصيف الجماعات الإرهابية وتحديد الجهات التي تستحق العقوبات والتي يُغض الطرف عن أفعالها مهما كانت بشاعتها؛ فالبعض يرى أن تجاهل ما يحدث على سطح أرض السودان اليوم والتركيز على ملفات قديمة أو قضايا سياسية وأمنية سابقة يثير تساؤلات بشأن مدى إتساق السياسات الدولية مع واقع الأحداث الحالية، ومن هنا يتطلع الشعب السوداني إلى موقف دولي أكثر توازنًا وإتساقًا مع الواقع، بحيث يضع الجماعات المستبدة كلها تحت القانون ويجعل معاناة المدنيين الأبرياء في مقدمة الإعتبارات ويسعى لتحقيق العدالة للضحايا دون تحايل أو إنتقائية.
إن تصنيف جماعات معينة باعتبارها إرهابية مع تجاهل ممارسات جماعات أخرى متهمة بارتكاب إنتهاكات مماثلة أو أشد يثير جدلًا واسعًا حول مسألة إزدواجية المعايير في السياسة الدولية؛ فكل هذه الجماعات إن وضعت أمام ضحاياها تكون في الهواء سواء، والسودان اليوم يواجه تحديات أمنية معقدة لا تقتصر على إرث سياسي من الماضي رغم تأثيره الذي يظهر من وقت لأخر، بل تتعلق بشكل ملموس بواقع حاضر يشهد إنتشار السلاح وظهور جماعات مسلحة عابرة للحدود وتزايد نشاط المرتزقة والشبكات الإجرامية الناشئة حول المنطقة، ويرى كثير من المراقبين السياسيين والإعلاميين السودانيين وغيرهم أن التركيز على قضايا تاريخية دون التعامل الجاد مع المخاطر الأمنية الراهنة وتداعياتها قد يؤدي إلى إغفال التهديدات الفعلية التي تهدد إستقرار البلاد والمنطقة بأكملها؛ فالحرب وما رافقها من إنهيار شامل في بعض مؤسسات الدولة وفرت بيئة خصبة لنشاط جماعات مسلحة متعددة الجنسيات والأجندات، بعضها يرتبط بشبكات إقليمية أو مصالح إقتصادية غير مشروعة، ولذلك فإن معالجة أزمة السودان تتطلب رؤية شاملة “غير مستوردة” تنظر إلى جذور المشكلة في الحاضر والمستقبل، وليس فقط في الماضي، كما أن مكافحة الإرهاب، وفق المفهوم الدولي، ينبغي أن تقوم على مبدأ ثابت وهو رفض العنف المنظم ضد المدنيين في أي زمان ومكان، دون تمييز بين جهة وأخرى؛ فاستقرار السودان لا يهم شعبه وحده، بل يمثل عنصرًا مهمًا في أمن الإقليم بأكمله، خاصة في منطقة تعاني أصلًا من إضطرابات سياسية وأمنية متزايدة.
فالصراعات الممتدة طبقًا للتجارب تؤدي غالبًا إلى إنتشار السلاح وتنامي شبكات الإتجار بالبشر والمخدرات والجريمة المنظمة، وهي ظواهر تهدد إستقرار الدول والمجتمعات.
في هذا السياق المتشابك والمعقد تبرز المخاوف من إتساع دائرة الفوضى الأمنية في الإقليم إذا إستمرت النزاعات المسلحة دون حلول سياسية شاملة، وبدأ هذا الشعور يتسرب من مواقف صناع الرأي السياسي وقادة الحكومات من حولنا، وقد تناولتُ على المنصات الإعلامية بعض التحليلات السياسية التي نشرتها مؤخرًا إحتمالات ظهور جماعات مسلحة خطيرة وعابرة للحدود تستفيد من حالة الفراغ الأمني في عدد من المناطق، خصوصًا في ظِل إستمرار الحروب في بعض دول الشرق الأوسط والشريط الممتد من القرن إلي الساحل الإفريقي؛ فالصراعات الممتدة طبقًا للتجارب تؤدي غالبًا إلى إنتشار السلاح وتنامي شبكات الإتجار بالبشر والمخدرات والجريمة المنظمة، وهي ظواهر تهدد إستقرار الدول والمجتمعات، وفي هذا الإطار جاءت التحذيرات الدبلوماسية السودانية في المحافل الدولية من خطورة إنتشار الأسلحة ووصولها إلى أيدي شبكات إجرامية عابرة للحدود؛ فقد أشار المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة في إحدى الجلسات الدولية إلى أن السلطات السودانية ضبطت خلال الفترة الماضية كميات وأنواعًا مختلفة من المخدرات والأسلحة المرتبطة بأنشطة غير مشروعة، وتسلط هذه التحذيرات الضوء بوضوح على حجم التحدي الأمني الذي يواجه السودان والمنطقة، كما تؤكد أن معالجة الأزمة القائمة حاليًا لا يمكن أن تتم بمعزل عن رؤية الحكومة السودانية والتعاون الدولي والإقليمي؛ فمسألة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة تتطلب تنسيقًا محكمًا بين حكومات الدول ومؤسساتها الأمنية والقانونية، إضافة إلى تكثيف البحث الجاد عن معالجة جذور النزاعات السياسية والإقتصادية التي تسمح بانتشار العنف وتغذية الصراعات.
نخلص إلى ملاحظات واضحة حول التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي في ظل تشكل عالم جديد تتزايد فيه سيطرة قوى كبرى تمتلك القدرة على توجيه بوصلة القرار العالمي وفق مصالحها السياسية والإقتصادية، مثل الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها إحدى أبرز هذه القوى؛ فهي توسع نفوذها بين الفينة والأخرى، ولكن يجب عليها أن تتذكر مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية التي تقتضي أن تكون قراراتها الدولية قائمة على العدالة والموضوعية، بعيدًا عن الإنتقائية أو إزدواجية المعايير، وفي هذا الإطار يطرح واقع الحرب الجارية والإنتهاكات الواسعة التي طالت المدنيين والبنية التحتية تساؤلًا عن خطة الحكومة السودانية الموضوعة للتموضع على خارطة العالم المتحول حاليًا مع النظر بعين فاحصة في أسباب تجاهل المجتمع الدولي لبعض الممارسات العنيفة التي تقوم بها جماعات مسلحة ممولة من خارج السودان وتهدد السلم الإجتماعي، بينما يتم التركيز على قضايا أخرى مرتبطة بالماضي السياسي للبلاد؛ فكما قلنا سالفًا إن مشكلة السودان الحالية ترتبط إرتباطًا وثيقًا بمسألة إنتشار السلاح وظهور جماعات مسلحة ومرتزقة عابرة للحدود تهدد الأمن الوطني والإقليمي، وهو ما يتطلب معالجة واقعية وموضوعية تأخذ في الإعتبار التحديات الراهنة لا الأحداث التاريخية فقط؛ وندرك جيدًا كيف يفتح إستمرار الحروب في السودان والمنطقة مجالًا لتنامي شبكات الإرهاب والجريمة المنظمة والإتجار بالبشر والمخدرات وزعزعة الأمن والإستقرار، وهذا الواقع المرير يؤكد أن تحقيق الإستقرار يتطلب موقفًا دوليًا يقوم على دعم العدالة وجهود الحكومة في حماية المدنيين والتعاون الإقليمي والدولي لمعالجة جذور الصراعات عبر إجراء حوار سودانوي قومي وشامل دون وصاية من أي جهة خارجية ومواصلة العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة بما يضمن الأمن والسلام في السودان والمنطقة.
،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،



