مقالات

قراءة حول الحرب في الخليج وموقع السودان

سعد محمد عبدالله -كاتب سوداني 

الراصد الإثيوبي -السودان 

الأربعاء 4 مارس 2026 

إذا إستمرت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الخليج من جهة، وإيران وشبكة حلفائها الإقليميين من جهة أخرى، فإن تداعياتها لن تقف عند حدود ساحة القتال، بل ستمتد إلى الإقليم بأسره، ومن بينه السودان؛ فالحروب الكبرى تعيد ترتيب الأولويات، وتفرض معادلات سياسية جديدة على الفاعلين الإقليميين والدوليين، وفي مثل هذا السياق، تجد الدول التي تمر بمرحلة إنتقالية أو تعاني هشاشة داخلية نفسها أمام تحديات مضاعفة، إذ تُجبَر على إعادة قراءة المشهد العام وتحديد تموضعها الدبلوماسي بما يحقق التوازن بين مصالحها الوطنية وضغوط المحاور المتصارعة، والسودان، بحكم موقعه الجغرافي وإرتباطاته الأفروعربية، قد يجد نفسه مطالبًا بإدارة سياسة خارجية حذرة تجنبه الإنزلاق في صراعات لا تخدم أولوياته الداخلية، خاصة في ظل حاجته الماسّة إلى القضاء على إرهاب الدعم السريع وتحقيق الإستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

 

والسودان، بحكم موقعه الجغرافي وإرتباطاته الأفروعربية، قد يجد نفسه مطالبًا بإدارة سياسة خارجية حذرة تجنبه الإنزلاق في صراعات لا تخدم أولوياته الداخلية.

سياسيًا، من المرجح في هذا المسار أن تؤدي الحرب إلى إعادة تشكيل خارطة التحالفات في الإقليم، مما قد يضع الخرطوم أمام خيارات دقيقة تتعلق بعلاقاتها مع القوى الخليجية أو مع أطراف إقليمية أخرى؛ فالتعاون الإقتصادي والإستثمارات والدعم السياسي غالبًا ما ترتبط بمواقف الدول من القضايا الكبرى لا سيما في عالم متحول بسرعة البرق، وإذا تصاعدت حدة الإستقطاب بين المحاور المختلفة، فقد يصبح الحياد أكثر تعقيدًا من الإنحياز، والسياسة تمثل رمال متحركة لا يمكن توقع توقفها فقط علينا تتبع إتجاه الريح لنعرف مسار إنحدارها، وسيكون التحرك وفق المصالح هو البوصلة الأساسية للسودان؛ لذلك يتعيّن على صانع القرار السوداني إعتماد مقاربة براغماتية تقوم على مبدأ المصالح أولًا، مع الحفاظ على خطاب متوازن يدعو إلى خفض التصعيد والحلول السلمية، وتعزيز التنسيق مع الهيئات والمنظمات وحكومات الدول الإفريقية المجاورة لتفادي أي إنعكاسات أمنية أو دبلوماسية محتملة.

إقتصاديًا، ستكون الآثار أكثر مباشرة ومؤثرة؛ إذ إن أي إضطراب في منطقة الخليج ينعكس فورًا على أسواق النفط وحركة التجارة العالمية، وإرتفاع أسعار الطاقة قد يضاعف من الأعباء على الإقتصاد السوداني الذي يواجه أصلًا تحديات هيكلية تتعلق بالتضخم وضعف العملة وقلة الإنتاج وإرتفاع تكلفة الإستيراد؛ كما أن تعطل سلاسل الإمداد أو تهديد الممرات البحرية قد يؤثر بشكل كبير على الواردات الأساسية والصادرات الزراعية والحيوانية والمعدنية، وفي المقابل؛ قد تنشأ فرص محدودة يمكن الإستفادة منها إذا أحسن السودان إستثمار موقعه وموانئه المطلة على البحر الأحمر في تعزيز دوره في التجارة الإقليمية، لكن ذلك يتطلب صياغة سياسات رصينة وبنية تحتية جاهزة وخطة إدارة كفؤة وإستقرارًا أمنيًا في ظل التعقيدات الكبيرة التي تحاصر المنطقة؛ ومن دون هذه الشروط، ستغلب الآثار السلبية على أي مكاسب محتملة، ما يفرض علينا إعداد خطط طوارئ إقتصادية لمواجهة السيناريوهات الأسوأ.

 

من المرجح في هذا المسار أن تؤدي الحرب إلى إعادة تشكيل خارطة التحالفات في الإقليم، مما قد يضع الخرطوم أمام خيارات دقيقة تتعلق بعلاقاتها مع القوى الخليجية أو مع أطراف إقليمية أخرى .

أمنيًا، لا يمكن إستبعاد أن يؤدي إتساع نطاق الحرب إلى تنشيط جماعات مسلحة أو شبكات تهريب تستفيد من حالة الفوضى الإقليمية لتوسيع نشاطها الإحرامي مثل مليشيا الدعم السريع المتمردة والممولة خارجيًا من حكومات بعضها تواجه الآن مشكلات أمنية كبيرة، وهو ما إن حدث بكل تأكيد سيضاعف من مهددات الإستقرار في السودان والمنطقة برمتها، وأعتقد أن أي تصعيد في البحر الأحمر والقرن الإفريقي ينعكس مباشرة على أمن السواحل السودانية وحركة الملاحة؛ لذلك يصبح رفع مستوى الإستعداد الوطني في تعزيز الجاهزية الأمنية، وتكثيف التنسيق الإستخباراتي مع الشركاء الإقليميين، ضرورة لا خيارًا، وفي الوقت ذاته، لا ينبغي السماح بأن تتحول التطورات الخارجية إلى ذريعة لتأجيل تنفيذ الإصلاحات الداخلية المرسومة سلفًا من قبل الحكومة؛ فأقوى حصانة في مواجهة المتغيرات الإقليمية تكمن في وحدة الجبهة الوطنية وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.

أمنيًا، لا يمكن إستبعاد أن يؤدي إتساع نطاق الحرب إلى تنشيط جماعات مسلحة أو شبكات تهريب تستفيد من حالة الفوضى الإقليمية لتوسيع نشاطها .

خلاصة القوُّل إن إستمرار الحرب في الخليج سيعيد تشكيل خارطة التحالفات حسب الأولويات الوطنية ويضع السودان أمام خيارات دقيقة تتطلب دبلوماسية متوازنة تستجيب للمتغيرات وتحفظ المصالح الوطنية الإستراتيجية بعيدًا عن الإستقطاب الحاد؛ فقد شاهدنا آثار السياسات الخاطئة في تجارب الآخرين قبل أن تجريب ذلك في السودان، وبعد التجربة صرنا اليوم أمام مرحلة جديدة حساسة ومختلفة عن سابقاتها شكلاً ومضمونًا، والواضح أن الحكومة تعمل وفق خطط مدروسة تظهر في مواقفها، وهي تدرك جيدًا أن التداعيات السياسية والإقتصادية والأمنية قد تكون مباشرة على السودان من خلال إرتفاع أسعار الطاقة وإضطراب التجارة وإنتشار السلاح والمخدارات، في حين تبقى المخاطر الأمنية قائمة وشديدة الخطورة ما لم تُعزَّز قوة الجبهة الداخلية بما يدفع نحو التموضع على الخارطة برؤية وطنية ثاقبة لا يخطئ صانعوعها الأهداف الإستراتيجية، وبين هذه التحديات والفرص، تظل المصلحة الوطنية هي البوصلة التي ينبغي أن تحكم كل قرار، حتى يتمكن السودان من عبور هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة.

،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،

هل يسمع العالم صوت السودان في إجتماعات مجلس حقوق الإنسان بجنيف؟. – الراصد الاثيوبي – ETHIO MONITOR

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  (To Type in English, deselect the checkbox. Read more here)
زر الذهاب إلى الأعلى
Lingual Support by India Fascinates