غير مصنفمقالات

في الطريق للمستشفى.. قررت أن أبقى صحفيا

نضال عليان – كاتب وصحفي فلسطيني

الراصد الإثيوبي – فلطسين  

السبت 21 فبراير 2026 

بعد عام كامل من الاعتقال في سجون الاحتلال الاسرائيلي كان من الواجب اجراء عدد من الفحوص الطبية للاطمئنان على عمل الأجهزة الحيوية في جسدي الذي تعرض لعدد كبير من الضربات وما رافقها من انتهاكات انسانية عديدة، منها الحرمان من الطعام والنوم، والاهمال الطبي المتعمد، لكن خلال الطريق الشاق للمستشفى حيث الشوارع مهشمة بفعل القصف الاسرائيلي المتواصل لأكثر من عامين، راودتني فكرة ان أكتب تقريرا صحفيا عن طفلة رضيعة تعاني من انتفاخ نادر في رقبتها يعيق وصول الاكسجين الى رئتيها ما يشكل خطرا حقيقيا على حياتها لعل تقريري هذا يشكل ضغطا على الاحتلال الاسرائيلي للسماح لها بمغادرة قطاع غزة للعلاج قبل ان تفقد حياتها كما فقد الالاف من المرضى حياتهم قبلها، بسبب منعهم من السفر وعدم قدرة مستشفيات قطاع غزة المدمرة على علاجهم.

يجب ان يفكر الصحفي بأن قصة كل مظلوم ينتظر أملا في الحياة هي قصته الشخصية.

 لكن فجأة توقفت عن التفكير وانتابني توتر شديد كأن أحدهم وضع فوهة البندقية على رأسي، تذكرت أن ضابط المخابرات الاسرائيلي هددني قبل استعادة حريتي بالقتل اذا عدت لعملي الصحفي في غزة.

فأصبحتْ الأفكار في رأسي متضاربة، هل أمضي في كتابة التقرير أم أصمت، هل أواصل عملي الصحفي الذي بدأته قبل ١٤ عاما واكتسبت فيه خبرة ممتازة أم ابحث عن عمل آخر، هل أنقل الوقائع والأحداث وصرخات الأطفال والنساء أم أترك ذلك لأعوٌض زوجتي وأطفالي الثلاثة عن عامين كاملين من الغياب، أحدهما كان بسبب انشغالي في تغطية أحداث الحرب والثاني بسبب اعتقالي، هل سأعود لعناق أطفالي قبل الخروج للعمل وكأنه العناق الأخير أم أترك ذلك لنبقى سويا بعيدا عن شبح الموت الذي يهددنا جميعا كما فعل بزملاء آخرين.

 لصحافة ليست ترفا او مهنة عادية للتسلية وانما هي مهنة المتاعب التي فقد لأجلها الكثير من الصحافيين الطيبين أرواحهم أملا في انقاذ أرواح الآلاف من الأبرياء.

 ووسط كل هذه الفوضى من الافكار والهواجس، وجدت أنني احتاج ترتيب أوراقي من جديد بعيدا عن معايير الربح والخسارة الذاتية، نظرت نحو اليمين واليسار فلم أجد سوى دمار هائل يخفي تحته جثث الضحايا المدنيين التي تحللت ولم يستطع احد اخراجها، وبعد صمت فكري قصير، تنهّدْت وقرّرت بلا تردد أن أبقى صحفيا، لأن الصحافة ليست مهنة مادية لكسب المال فقط وانما هي واجب انساني واخلاقي ضروري جدا وسط عالم لا يجيد الا صنع الحروب، وكما أن خبرا سيئا يمكن ان يتسبب بحرب بشعة فان خبرا جيدا يمكن ان ينقذ حياة طفل بريء أو يعيد السلام للأرض المروية بالدم، وكما أن للطبيب قسما يجب أن يرتله قبل مزاولة مهنته فان الصحافي يجب ان يلزم نفسه بالدفاع عن المظلومين أينما كانوا ويظهر وجه الحقيقة مهما بلغت التضحيات والمعيقات، كما أنه يجب ان لا يلتفت لأقوال اصحاب القوة والمال الذين يحاولون اعاقة هذا العمل الانساني بالتحريض والتشويه لتبقى رواية الخبر محصورة عند الظالم فلا يصل صوت الضحية للعالم.

 الصحافة ليست ترفا او مهنة عادية للتسلية وانما هي مهنة المتاعب التي فقد لأجلها الكثير من الصحافيين الطيبين أرواحهم أملا في انقاذ أرواح الآلاف من الأبرياء الذين لا ذنب لهم الا أن امهاتهم ولدتهم في بقعة جغرافية ثمينة يطمع فيها كل المهووسين بالسلطة والمال.

الصحافة ليست مهنة مادية لكسب المال فقط وانما هي واجب انساني واخلاقي ضروري جدا وسط عالم لا يجيد الا صنع الحروب.

في نهاية المطاف إن العمل الصحفي طريق شاق ومليء بالتهديدات ولا يوجد مبرر لكل من اختار هذا الطريق ان يجني مكاسب مادية ومعنوية ثم يتنصل من العمل او يتراجع عن القيام بواجبه بسبب عقبات او تداعيات سلبية او ضغوطات يمارسها جانب عنصري لا يريد ان يرى العالم وجهه القبيح .

ومن هذا المنطلق يجب ان يفكر الصحفي بأن قصة كل مظلوم ينتظر أملا في الحياة هي قصته الشخصية وان يعتبر كل أم ضعيفة تبحث عن أولادها المفقودين هي أمه، حتى لو أفنى حياته لأجل تأدية رسالته الاخلاقية، وإلا فانه يجب ان يخجل من نفسه كونه تحوٌل لمرتزق وألعوبة بيد قوة المال، كما أنه يجب ان يتوقف عن وصف نفسه بالصحافي.

،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  (To Type in English, deselect the checkbox. Read more here)
زر الذهاب إلى الأعلى
Lingual Support by India Fascinates