بين الفرد والمجتمع: إشكاليات المسؤولية في النزاع السوداني


د. عبدالناصر سلم حامد :كبير الباحثين ومدير برنامج شرق أفريقيا والسودان – مركز فوكس للدراسات (السويد) -باحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب.
الراصد الإثيوبي -السويد
الجمعة 6 فبراير 2026
لا يسعى هذا المقال إلى تبرير الانتهاكات التي وقعت في السودان، ولا إلى تبرئة مرتكبيها، ولا إلى تخفيف المسؤولية الجنائية أو الأخلاقية عن أي فاعل.
على العكس، ينطلق من تثبيت مبدأ المسؤولية الفردية بوصفه حجر الزاوية لأي عدالة ممكنة، ومن رفضٍ صريح لاستبداله بتوصيفات جماعية فضفاضة تُبدِّد الذنب بدل تحديده.
وينطلق المقال من فرضيةٍ مفادها أن الخلل في توصيف الصراع لا يقلّ خطرًا عن الصراع نفسه؛ لأن الخطأ في التسمية يُعيد توزيع المسؤولية ويُعطِّل العدالة من جذورها.
منذ اندلاع النزاع، لم يعد الصراع محصورًا في الميدان العسكري، بل تمدّد إلى نظام التسمية ذاته: من هو الفاعل؟ ومن هو المجتمع؟ وكيف تُعرَّف العلاقة بينهما؟ هنا لا تعمل اللغة مرآةً محايدة، بل أداةَ سلطةٍ تُرتِّب المواقع وتُعيد هندسة المسؤولية. في هذا السياق برز مصطلح «الحواضن» لا بوصفه توصيفًا اجتماعيًا بريئًا، بل كآلية اتهام تُنتج إطارًا يُدرِج المجتمع في دائرة الاشتباه، خصوصًا حين يُسقَط على علاقة السكان بالقوى المسلحة، وعلى رأسها قوات الدعم السريع. فالمصطلح لا يشرح واقعًا قائمًا بقدر ما يصنع سرديةً تُقدِّم المجتمع طرفًا مشتبهًا به قبل أي فحص.
منذ اندلاع النزاع، لم يعد الصراع محصورًا في الميدان العسكري، بل تمدّد إلى نظام التسمية ذاته: من هو الفاعل؟ ومن هو المجتمع؟ وكيف تُعرَّف العلاقة بينهما؟.
يفترض هذا الخطاب، ضمنيًا، علاقةَ قبولٍ بين المجتمع والقوة المسلحة، وكأنّ الوجود تحت السيطرة يساوي رضًى، وكأنّ الصمت في بيئة القهر تفويضٌ سياسي.
وهذه هي المعضلة المركزية: الادّعاء بوجود «حاضنة» هو ادّعاءُ إدانة، ومن يطلق الإدانة يتحمّل عبءَ الإثبات. غير أنّ ما يحدث عمليًا هو انقلاب هذا المبدأ؛ إذ تتحوّل الجغرافيا إلى قرينة، والصمت إلى دليل، والبقاء إلى شبهة. وهكذا ينتقل السؤال من «من فعل؟» إلى «أين كان الناس؟»، ومن مساءلة الفعل إلى مساءلة الوجود، فتُستبدَل محاسبة القرار بمحاسبة المكان.
في الأدبيات الأكاديمية الخاصة بالنزاعات الداخلية، يرتبط مفهوم «الحاضنة» بشرطٍ حاسم هو الطوعية. فالحاضنة—إن وُجدت—دعمٌ واعٍ وقابل للرصد، يتحمّل كلفته من يمنحه اختيارًا.
وتُقاس بمؤشرات واضحة، من بينها: وجود تنظيمٍ مستقل، وخطابٌ علنيّ داعم، وشبكات تمويل طوعية، واستعدادٌ لتحمّل المخاطر دفاعًا عن الفاعل. جوهر المفهوم هو الاختيار؛ فإذا غابت القدرة على الرفض، سقطت الطوعية، وإذا سقطت الطوعية، سقط المفهوم ذاته. والمجتمع الذي لا يستطيع الاعتراض دون عقاب، ولا التنظيم دون تهديد، ولا التعبير بحرّية، لا يمكن وصفه بأنه «يحمل» فاعلًا مسلحًا؛ لأنه ببساطة لا يملك حرية حمله أو رفضه.
في الأدبيات الأكاديمية الخاصة بالنزاعات الداخلية، يرتبط مفهوم «الحاضنة» بشرطٍ حاسم هو الطوعية..
ما جرى في السودان هو تفريغ هذا المفهوم من شرطه المركزي وإعادة تدويره سياسيًا. فقد صار «الحواضن» توصيفًا للسيطرة لا للمساندة، وأداةً لإنتاج شرعية لغوية بديلة عن الشرعية السياسية. وبهذا المعنى، لا يعمل المصطلح توصيفًا للواقع بقدر ما يغدو آليةً لإدارته سياسيًا. هنا تظهر مغالطة الاستدلال بالخضوع: تحويل الامتثال القسري إلى تفويض، والخوف إلى قبول، وغياب البديل إلى دليل رضًى. ولا تخطئ هذه المغالطة الوصف فحسب، بل تعكس ميزان القوة وتُلقي على الضحية عبءَ إثبات براءةٍ مستحيلة.
وفي الاستخدام العملي للمصطلح، لا يُقصد به توصيفٌ اجتماعي عام، بل يُشار به—في كثير من الخطابات—إلى قبائل عربية بعينها في دارفور، يُفترض أنها البيئة الاجتماعية التي تنتمي إليها غالبية مقاتلي الدعم السريع.
غير أنّ هذا التعميم يُخفي اختزالًا مزدوجًا؛ إذ يدمج بين الانتماء الاجتماعي والانخراط القتالي، متجاهلًا التفاوتات الواسعة داخل هذه المجتمعات، وينقل المسؤولية من الأفراد والهياكل القيادية إلى جماعات كاملة، محوِّلًا الانتماء الاجتماعي إلى قرينة اتهام. وبذلك لا يصف المصطلح واقعًا، بل يُعيد إنتاج سردية تُحمِّل مجتمعاتٍ بأكملها أعباء أفعال لا يمكن نسبتها إلا إلى أفراد وشبكات محددة.
فقد صار «الحواضن» توصيفًا للسيطرة لا للمساندة، وأداةً لإنتاج شرعية لغوية بديلة عن الشرعية السياسية.
يتحوّل المصطلح، عند هذه النقطة، من توصيف إلى إنتاجٍ للذنب. فلا يُفترض إثبات المشاركة، بل يُفترض نفيها؛ ولا يُبحث عن الفاعل، بل يُطالَب المجتمع بتبرير بقائه. ننتقل من منطق العدالة إلى منطق الاشتباه الدائم، حيث يُعامَل المجتمع كما يُعامَل المتّهم قبل التحقيق. وليست هذه قسوةً لغويةً فحسب، بل هندسةً أخلاقية تُعيد ترتيب موقع الذنب وتجعل البقاء ذاته موضع مساءلة.
ولا يمكن فهم الإصرار على هذا الخطاب من دون قراءة وظيفته السيادية. فالسلطة التي تفتقر إلى التفويض لا تستطيع الإجابة عن سؤال «من خوّلك؟»، فتستبدله بسؤال «من يحتضنك؟».
هنا يصبح المصطلح بديلًا سياديًا عن الشرعية؛ إذ تنتقل الشرعية من مجال السياسة إلى مجال اللغة، ويغدو الادّعاء نفسه فعلَ سيادة.
ويؤكد القانون الدولي الإنساني أن المسؤولية الجنائية لا تُستمد من الانتماء أو الجغرافيا، بل من الفعل المحدَّد وسلسلة القيادة المرتبطة به.
وهنا يتقاطع التحليل السياسي مع الخطر القانوني. فالقانون الدولي الإنساني يُقرّ مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية ويحظر العقاب الجماعي.
إسناد المسؤولية إلى جماعات أو بيئات اجتماعية على أساس الانتماء أو الجغرافيا يتعارض مع جوهر العدالة، التي تفترض تحديد الفعل والفاعل والقصد وسلسلة القيادة. وعليه، فإن تحويل المجتمع إلى «حاضنة» لا يمثّل توصيفًا قانونيًا، بل انحرافًا مفاهيميًا يُقوّض شرط المحاسبة ذاته، ويُنتج دائرة اتهام واسعة تُفضي—عمليًا—إلى الإفلات من المسؤولية بدل ترسيخها.
فالقانون الدولي الإنساني يُقرّ مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية ويحظر العقاب الجماعي.
ولا يتوقف الضرر عند الخطاب والتحقيق، بل يمتد إلى المستقبل. فالمجتمعات الموسومة اليوم بوصفها «حواضن» ستدخل أي مسارٍ للعدالة الانتقالية من موقع الاتهام لا من موقع الضحية، ما يُفرغ تلك المسارات من وظيفتها العلاجية ويحوّلها إلى إدارة سياسية للذنب بدل تفكيكه.
وعند الاختبار، ينهار المفهوم. فاختبار «الحواضن» ليس في ما يظهر من صمت، بل في ما يستحيل ظهوره تحت القهر: اعتراضٌ علنيّ بلا عقاب. حيث لا مجالَ عامًّا، لا حاضنة؛ وحيث لا قدرة على الرفض، لا طوعية. وكل ما يوجد هو تكيّفٌ للبقاء—والتكيّف ليس موقفًا سياسيًا، بل استراتيجية حياة. وتحويل التكيّف إلى تهمة هو قلبٌ للمنطق يجعل البقاء دليلًا على الجريمة.
سناد المسؤولية إلى جماعات أو بيئات اجتماعية على أساس الانتماء أو الجغرافيا يتعارض مع جوهر العدالة، التي تفترض تحديد الفعل والفاعل والقصد وسلسلة القيادة.
يتجلّى هذا القلب بأوضح صوره حين يُسقَط المصطلح على الأقاليم المتضررة، ولا سيما دارفور. فحين تُعاد تسمية مجتمعاتٍ عانت القتل والتهجير بوصفها «حواضن»، تبلغ المفارقة ذروتها: تُسمّى الضحية حاضنة، ويُقدَّم المسيطر بوصفه «نتاج البيئة». لا يعود السؤال: من قتل ومن هجّر؟ بل: لماذا كانوا هناك؟ وهذا قلبُ المسؤولية في أنقى صوره، وهو ما يقوّض إمكان المصالحة لاحقًا بزرع ذنبٍ جماعي دائم.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل توجد حواضن أم لا؟ بل: ما الذي يعنيه أن يُطلَب من مجتمعٍ يعيش تحت السيطرة أن يُثبت براءته؟ حين يصبح البقاء موضع مساءلة، ننتقل من السياسة إلى إدارة الخوف، ومن العدالة إلى تأديب الوجود. وحين تُنقَل المسؤولية من الفعل إلى المجتمع، لا تنهار العدالة فحسب، بل يُعاد إنتاج العنف بلغةٍ تبدو قانونية وهي في جوهرها نقيض القانون.
،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،
أنا لستُ محايدًا: عندما دخل الجيش منزلي – الراصد الاثيوبي – ETHIO MONITOR



