مقالات

أنا لستُ محايدًا: عندما دخل الجيش منزلي

عن الخوف حين يدخل البيوت، ومعنى الوقوف حين تنهار الدولة

 

د.عبدالناصر سلم حامد -كبير الباحثين ومدير برنامج شرق افريقيا والسودان في فوكس
باحث اول في اداره الأزمات ومكافحة الإرهاب

الراصد الإثيوبي -السويد

الخميس 23 يناير 2026

لم يكن السؤال الذي واجهني في لقاءات متكرّرة مع دبلوماسيين وباحثين غربيين هو: هل الجيش السوداني بلا أخطاء؟ لم يكن هذا جوهر النقاش أصلًا. السؤال الحقيقي—حتى حين قُدِّم بلغة دبلوماسية هادئة—كان أكثر حدّة ووضوحًا: لماذا ترفض الحياد؟ ولماذا تُصرّ على أن دعم الجيش السوداني يمثّل ركيزة أساسية لأي استقرار محتمل في السودان؟

في السياق السوداني، لا يمكن التعامل مع الحياد بوصفه موقفًا أخلاقيًا مجرّدًا أو خيارًا نظريًا نظيفًا. الحياد هنا قرار سياسي مباشر، له كلفة ملموسة على حياة المدنيين وعلى مستقبل الدولة نفسها. فالافتراض القائل بإمكانية الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف في كل النزاعات لا يكون بريئًا حين يُسقَط على حالة انهيار شامل مثل السودان؛ بل يصبح خطأً تحليليًا يتجاهل طبيعة الصراع وحدوده الواقعية.

 

في السياق السوداني، لا يمكن التعامل مع الحياد بوصفه موقفًا أخلاقيًا مجرّدًا أو خيارًا نظريًا نظيفًا.

السودان لا يعيش أزمة حكم عادية، ولا نزاعًا سياسيًا تقليديًا يمكن تسويته عبر تفاهمات سريعة أو صفقات نخب. نحن أمام لحظة اختبار وجودي للدولة ذاتها. في مثل هذه اللحظات، لا يكون الحياد حكمة ولا توازنًا، بل انسحابًا صامتًا يترك الفراغ مفتوحًا ليُملأ بمنطق القوّة.

ما أدافع عنه هنا ليس مؤسسة بعينها ولا تاريخًا بلا أخطاء، بل ما يمكن تسميته «شرط الدولة»: الإطار الوحيد الذي يجعل السياسة ممكنة أصلًا. فالدولة ليست شعارًا ولا خطابًا، بل قدرة عملية على تنظيم الحياة العامة، وفرض النظام، وتنفيذ القرار السياسي. وحين تنهار هذه الوظائف، لا ينفتح المجال على الحرية، بل على فوضى يُعاد تنظيمها لصالح من يملك أدوات الإكراه.

بهذا المعنى، لا يدور الصراع في السودان بين برنامجين سياسيين أو رؤيتين متنافستين للحكم، بل بين نموذجين متناقضين لتنظيم القوّة.

نموذج دولة متصدّعة، لكنها لا تزال—رغم ما أصابها—تحتفظ ببقايا مؤسسات قابلة، ولو نظريًا، للإصلاح والمساءلة. وفي المقابل، نموذج اللادولة، حيث يتحوّل العنف إلى اقتصاد، والحرب إلى نمط حكم دائم، ويغدو السلام تهديدًا مباشرًا لتوازن المصالح. هنا يفشل خطاب الحياد فشلًا بنيويًا، لأنه يفترض ساحة سياسية متكافئة، بينما الواقع ساحة تُعاد صياغتها بالقوّة. وما يبدو حيادًا لغويًا في الخطاب يتحوّل عمليًا إلى شرعنة غير مباشرة لمنطق اللادولة.

السودان لا يعيش أزمة حكم عادية، ولا نزاعًا سياسيًا تقليديًا يمكن تسويته عبر تفاهمات سريعة أو صفقات نخب. نحن أمام لحظة اختبار وجودي للدولة ذاتها.

ولعلّ دروس بلدان مثل ليبيا أو الصومال تُظهر بوضوح أن انهيار المؤسسة العسكرية لا يفتح الطريق أمام السياسة، بل أمام تفكّك طويل الأمد تُعاد فيه شرعنة العنف بوصفه سلطة أمر واقع.

ثم يبرز سؤال غالبًا ما يُهمَل رغم مركزيته: من يملك القدرة على التنفيذ؟ فالاتفاقات لا تعيش على النصوص ولا على البيانات، بل على وجود طرف قادر على فرض الالتزام بها. وأي تسوية لا تجد بنية قيادة وسيطرة قادرة على الإنفاذ تتحوّل إلى هدنة ورقية تنهار عند أول اختبار ميداني.

لذلك فإن دعم الجيش لا يعني تقديسه أو إعفاءه من النقد والمحاسبة، بل اعترافًا واقعيًا بأن هذا الإطار—بما له وما عليه—هو آخر ما تبقّى لمنع تحوّل العنف إلى قاعدة حكم دائمة.

فالدولة ليست شعارًا ولا خطابًا، بل قدرة عملية على تنظيم الحياة العامة، وفرض النظام، وتنفيذ القرار السياسي.

هذه القناعة لم تتشكّل لديّ من التحليل وحده، بل من تجربة شخصية انتقل فيها النقاش فجأة من قاعات البحث والحوارات السياسية إلى البيت نفسه. عندما اندلعت الحرب، كنت—كغيري من سودانيي المهجر—أقضي شهر رمضان في السودان.

لرمضان طعم مختلف حين يُعاش بين الأهل، كما أنّ ساعات الصيام في الدول الإسكندنافية قد تتجاوز أحيانًا ثماني عشرة ساعة. ومع بداية القتال نزحتُ مع أسرتي إلى الكدرو، على أمل قصير يشبه الوهم بأن ما يحدث لن يطول.

في الأيام الأولى بدت الحياة شبه طبيعية: قلق مكتوم، أخبار متقطّعة، وأصوات بعيدة تخفت ثم تعود. ثم اكتمل الخوف دفعة واحدة. دخلت قوات الدعم السريع إلى الكدرو، وارتكزت أمام بنك الخرطوم مقابل مستشفى الريحانة. لم يعد الخطر احتمالًا بعيدًا، بل حضورًا ثقيلًا يفرض نفسه على كل تفصيلة في المكان.

أنزلتُ الجميع إلى الطابق الأول. وضعتُ الأطفال خلفي، وما تيسّر من أثاث أمامي. لم تكن خطة مدروسة، بل غريزة خالصة.

في تلك اللحظة لا يبحث الأب عن بطولة ولا عن لغة كبيرة؛ بل يواجه سؤالًا واحدًا: كيف يحمي من خلفه ولو بثمنه هو؟ لم يكن أمامي خيار؛ كان خياري أن يكون جسدي. لم أبكِ—لا قسوةً—بل لأن الوقت لم يسمح، ولأن الخوف حين يبلغ ذروته يجرّد الإنسان من كل شيء إلا الفعل.

 

ما أدافع عنه هنا ليس مؤسسة بعينها ولا تاريخًا بلا أخطاء، بل ما يمكن تسميته «شرط الدولة».

ثم جاء مساء خميس طويل لم يعد الليل بعده كما كان. استمرّت الاشتباكات أكثر من أربع عشرة ساعة متواصلة. من نافذة الشقة رأيت الشارع الذي أعرفه يتحوّل إلى ساحة مواجهة مفتوحة. هناك، من جهة معسكر حطّاب، بدأ الجيش يتقدّم. لم يكن تقدّمًا اندفاعيًا ولا استعراض قوّة، بل حركة بطيئة محسوبة، تُثبَّت فيها المواقع مترًا مترًا. كانت القوات تتحرّك تحت نيران كثيفة، تُمسك بالأرض ثم تعاود التقدّم، كمن يعرف أن الخطأ في حرب المدن لا يُصحَّح.

وفي خضمّ ذلك المشهد، رأيت ضابطًا برتبة عقيد يسير مكشوفًا في منتصف الطريق، لا يحتمي بجدار ولا يختبئ خلف مركبة.

لم يكن يبحث عن بطولة؛ بل كان يفرض إيقاع المعركة على رجاله، يوجّههم بيده وصوته، وكأن وجوده في المقدّمة رسالة واضحة: لا انسحاب الآن. عندها فقط أدركت أن ما يجري ليس تبادل نار عشوائيًا، بل عملية عسكرية تُدار بأعصاب باردة في حيّ يسكنه مدنيون، وبإحساس ثقيل بالمسؤولية.

مع اقتراب الفجر، طُرق باب العمارة. في الحرب، الطرق على الباب ليس تفصيلًا عابرًا. كان العقيد نفسه الذي رأيته في الشارع. لم يقتحم؛ استأذن. دخل الجنود بانضباط، وتركّز اهتمامهم على السطح بسبب وجود هيكل خرساني غير مكتمل بجوار العمارة، يُنظر إليه كموضع محتمل للرصد أو القنص. جلسنا دقائق قصيرة، وشاركناهم ما تيسّر من طعام.

 

لم يكن الجيش فكرة مجرّدة ولا مؤسسة بعيدة؛ كان رجالًا يحرسون بيوتًا لا يعرفون أصحابها، ويؤمّنون طرقًا لا يعرفون من سيمرّ بها.

وعندما خرجنا من المنزل، كانوا مرتكزين أسفل العمارة وأمام مقرّ الطب البيطري في الكدرو. لم نتبادل كلمات كثيرة؛ فقط مددتُ ما كان برفقتنا من طعام، كأنني أقول لهم: هذا كل ما أستطيع أن أتركه وأنا أترك المكان، وكل ما أملكه وأنا أمضي. قال العقيد بصوت صادق بلا وعود إن الطريق من جهة مجمّع البشير غير آمن ولا يستطيع ضمان المرور. لم يمنعنا ولم يجمّل الحقيقة؛ قالها كما هي.

ورغم ذلك خرجنا، لأن البقاء صار أثقل من المجازفة. ومع صباح الجمعة كان الجيش قد حسم المواجهة، وتراجع الدعم السريع نحو السوق المركزي قرب مجمّع البشير. وأثناء خروجنا رأيت مشهدًا لن أنساه: ضباطًا من الجيش ومعهم مدنيون يحملون جثمان مقاتل من قوات الدعم السريع لدفنه في الساحة التي تجاور المدرسة القريبة من فرع بنك الخرطوم.

لم يكن في المشهد انتصارٌ صاخب، بل احترامٌ صامت للموت، وإصرارٌ على أن الحرب—مهما بلغت قسوتها—لا تُسقِط معنى الكرامة.

في تلك الليالي، لم يكن الجيش فكرة مجرّدة ولا مؤسسة بعيدة؛ كان رجالًا يحرسون بيوتًا لا يعرفون أصحابها، ويؤمّنون طرقًا لا يعرفون من سيمرّ بها، ويقفون في مواقعهم وهم يدركون أن انسحابهم ليس خيارًا شخصيًا، بل سقوطًا عامًا.

كانت البطولة هناك صامتة، بلا عدسات ولا خطب، تُقاس بالانضباط وبالقدرة على الوقوف حين ينهار كل شيء من حولك.

لهذا أكتب، ولهذا لا أستطيع أن أكون محايدًا—لا لأن الحياد رذيلة، بل لأن التجربة أحيانًا تُسقِط وهمه. لأن بعض البطولات لا تُروى في البيانات، بل تُعاش في العتمة.

ولأن جيشًا يحاول—وسط هذا الخراب كله—أن يحفظ حياة الناس وكرامة الموت معًا، يستحق أن تُقال قصته كما هي: بصدق، وبمسؤولية، وبذاكرة لا تنسى.

ولستُ محايدًا… ولستُ محايدًا، لأن ما رأيته لا يترك للضمير مسافة للوقوف في المنتصف.

،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،

 

1000يوم من الحرب في السودان: لماذا فشلت هندسة السقوط السريع؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  (To Type in English, deselect the checkbox. Read more here)
زر الذهاب إلى الأعلى
Lingual Support by India Fascinates