مقالات

ماذا بعد توقف جريدة الفجر

سعد محمد عبدالله -كاتب سوداني 

الراصد الإثيوبي -السودان 

الجمعة 23 يناير 2026 

غرقتُ بين زحمة الحياة ومشاغلها، لكنني لم أغمض جفني لحظة واحدة عن مطالعة الأخبار السياسية والإعلامية المتداولة على الوسائط المختلفة؛ ففي زمنٍ يتكاثف فيه رهج الأزمات وتتسارع التحولات في كل الاتجاهات، بات الخبر رفيق القلق اليومي، والشغل الشاغل للإنسان، وأضحى الإعلام نافذة الفهم الوحيدة وسط ضباب كثيف يكتنف الساحة برمتها، ويكاد يحجب الرؤية ويطمس معالم الحقائق حول العالم، وبينما كنت أقاوم الأحزان في حياتي، مررتُ بخبرٍ لم يكن عابرًا ولا عاديًا أبدًا، يتحدث عن توقف طباعة النسخ الورقية لجريدة الفجر في مصر، والحقيقة أنني تأثرتُ كثيرًا، ليس لأن الجريدة توقفت فحسب، بل لأن الحدث في جوهره يتجاوز مؤسسة صحفية بعينها، ليطال معنى الصحافة نفسها، ودورها، ومكانتها في نسج خيوط وعي المجتمعات، وعكس الرأي الحر في هذا العالم.

لقد سنحت لي الظروف أن أتعامل مع وسائل إعلام مختلفة خلال الفترة الماضية، من بينها جريدة الفجر، وعرفتُ قيمتها وتأثيرها في صناعة الرأي العام، غير أن ثِقل الفواجع والمواجع في حياتي حال دون أن أراسل صديقي الصحفي علي فوزي، الذي يعمل في هذه الجريدة، وقد أجرى معي حوارًا سياسيًا مثيرًا وشفافًا نشرته جريدة الفجر بتاريخ 23 مايو 2025م، وفتح لي وقتها نافذة عظيمة تحدثتُ فيها عن قضايا الحرب والسلام، في محاولة لتعريف المحيط الإقليمي والدولي بحقيقة النزاع في السودان، ومواقف ورؤية الحركة الشعبية-شمال تجاه المسألة السودانية، والآن أعبّر للأستاذ فوزي وزملائه عن تضامني الصادق معهم، ويظل شعوري بالخسارة باقيًا وحاضرًا، ثقيلًا، لا يغادر الذاكرة.

إن توقف جريدة عملاقة بهذا الشكل لا يعني مجرد توقف ماكينة طباعة، أو إختفاء صفحات ورق من الأكشاك والمقاهي ومجالس المثقفين في كل مكان، بل يعني في جوهره توقف إنسياب نهرٍ من الإستنارة أو جفاف العقول وإظلام العالم؛ فالصحافة الورقية، رغم كل ما يُقال عن أفول نجمها عن سماء كوكبنا في عصر الرقمنة بكل ما فيها، ظلت لعقود طويلة واحدة من أهم أدوات تشكيل الوعي الوطني، وصناعة الرأي العام، ومصدر مهم لتوثيق اللحظة التاريخية بعيدًا عن الإستهلاك السريع والعابر للمعلومة، وكانت تمثل نافذة مهمة لنشر العلوم والمعارف والفنون، ومنصة لإدارة الحوار الفكري والسياسي بين جميع مكونات المجتمع.

كانت الصحف الورقية تُعدّ مدارس حقيقية؛ تُدرّب القارئ على القراءة المتأنية، وإحسان الصبر في ملاحقة المعلومة والكلمة الصادقة عبر البحث الدائم عن ينابيع المعرفة، إضافةً إلى تحليل القضايا الوطنية بمناظير مختلفة، والتفكير النقدي والتنويري، وكانت تلك الأوراق المتناثرة تعكس هيبتها في المكتبات، وتعطي للعنوان معناه، وللمقالات مكانتها التي لا تُقاس بعدد الإعجابات أو المشاركات، بل بقدرتها على إثارة الأسئلة وخلخلة المسلّمات، والتأثير في توجهات الدول والشعوب؛ لذلك، عندما تتوقف صحيفة بحجم وتجربة الفجر، فإن الخسارة لا تقع على الصحفيين العاملين فيها وحدهم، بل تمتد إلى القُرّاء من مختلف الفئات والأمكنة، وإلى المشهد الثقافي والسياسي بأكمله.

لا يمكن، بأي حال من الأحوال، فصل هذا التوقف عن السياق العام الذي تعيشه الصحافة الآفروعربية، بل والعالمية؛ فالأزمات السياسية والإقتصادية، وتراجع الإعلانات، وصعود الإعلام الرقمي، وتغيّر عادات ووسائل القراءة، كلها عوامل تضافرت لتضع الصحافة الورقية في زاوية ضيقة ما بين الصمود أو الفناء؛ غير أن السؤال الأهم الذي يظل ماثلًا على السطح هو: هل يمكن للإعلام الرقمي، بصخبه وسرعته وجاذبيته، أن يعوّض القارئ في هذا العصر كليًا عن فكرة العمق والتحقق والمسؤولية التي مثّلتها الصحافة الورقية في أفضل تجاربها على إمتداد التاريخ؟ وفي إعتقادي، لا يكمن الخطر الحقيقي في الإنتقال من الورق إلى الشاشة، بل في التحول من الصحافة بوصفها رسالة تنويرية إلى «محتوى» خاضع لمنطق السوق والترند.

هنالك نقاشات تجري في الساحة حول هذه المسألة، مع النظر بعين الإعتبار إلى التدهور المريع للصحافة وأحوال الصحفيين في ظل واقع إقتصادي ضاغط؛ فحين تُختزل المهنة والمادة الإعلامية في إطار السبق السريع، وتُستبدل المعالجة العميقة بالسطحية، ويغيب الإهتمام بتطويرها، يصبح توقف صحيفة ورقية مجرد عرضٍ لمرضٍ أعمق يهدد المعنى ذاته للعمل الصحفي، ومن هنا، فإن التضامن مع جريدة الفجر هو تضامن مع فكرة وروح الصحافة الجادة والمسؤولة، ومع حقوق المجتمعات في الإطلاع على مواد مفيدة تمكّنهم من إكتساب معرفة متجددة ومتوازنة ومسؤولة.

هذه دعوة جادة لإعادة التفكير في نماذج جديدة تضمن بقاء الصحافة مستقلة وقادرة على أداء دورها، سواء على الورق أو في الفضاء الرقمي، وإيجاد طرق لدعمها وتوفير إمكانيات إستمرارها بما يجعلها ثابتة أمام التحديات المعاصرة والمحتملة مستقبلًا، وقد تتغير الوسيلة، لكن الحاجة إلى وجود صحافة حرة، ناقدة، ومستنيرة تظل قائمة في كل الأزمنة؛ ما دامت هناك مجتمعات تبحث عن مفاتيح الحقيقة والإستنارة، وقد يتوقف الورق، وتُطوى صفحات، لكن ما زرعته الصحف الجادة في عقول وأفئدة قرّائها لا يتوقف بسهولة؛ بل تبقى المقالات، والحوارات، والأفكار، والمواقف شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ البشرية. فمهما حدث، يجب أن نحلم بعودة النور من أقلام فرسان جريدة الفجر.

،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،

أربعينية الوالدة آمنة عمر محمد دِكُو (دولة)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  (To Type in English, deselect the checkbox. Read more here)
زر الذهاب إلى الأعلى
Lingual Support by India Fascinates