مقالات

حين تُستعار المظلومية لتأسيس السلطة: قراءة بنيوية في نموذج الدعم السريع.

د.عبدالناصر سلم حامد -كبير الباحثين ومدير برنامج شرق افريقيا والسودان في فوكس
باحث اول في اداره الأزمات ومكافحة الإرهاب

الراصد الإثيوبي -السويد

الخميس 8 يناير 2026

لا يهدف هذا النص إلى محاججة قوات الدعم السريع بوصفها طرفًا في صراع عسكري، ولا إلى إصدار حكمٍ أخلاقي أو سياسي مباشر، بل يسعى إلى تفكيك المنطق البنيوي الذي حوّل المظلومية من أداة مساءلة وإصلاح إلى موردٍ للشرعنة وبناء السلطة.

فالإشكال المطروح لا يتعلّق بصحّة سرديات التهميش من عدمها، بل بالكيفية التي جرى بها توظيف هذه السرديات لإنتاج نموذج سلطة يقوم على القوة وإدارة الخوف، لا على العقد الاجتماعي أو المؤسسات.

من أكثر الالتباسات شيوعًا توصيف الدعم السريع بوصفه امتدادًا لمظلومية تاريخية أو تجسيدًا مباشرًا لنظرية التهميش.

ينطلق التحليل من فرضية مركزية مفادها أن التناقض بين خطاب الدعم السريع وواقعه ليس عرضًا طارئًا، ولا نتيجة «سوء تطبيق»، بل حصيلة حتمية لمنطق تشغيل يجعل من اللغة الأخلاقية بديلًا عن السياسة، ومن العنف موردًا للشرعية، ومن الدولة شكلًا مُحاكًى لا مشروعًا مُتحقِّقًا. وعليه، فإن الإشكال ليس في الفجوة بين الخطاب والممارسة، بل في تطابقهما البنيوي داخل منطق يُنتج العنف بوصفه أصل السلطة.

من أكثر الالتباسات شيوعًا توصيف الدعم السريع بوصفه امتدادًا لمظلومية تاريخية أو تجسيدًا مباشرًا لنظرية التهميش. غير أن هذا المدخل ينهار سوسيولوجيًا عند إخضاعه للفحص الدقيق.

فالتهميش، في علم الاجتماع السياسي، ليس هوية تُرفع ولا سردية تُستدعى، بل موقعًا بنيويًا داخل الدولة، يتحدّد بالإقصاء المنهجي عن القرار، والموارد، والاعتراف المؤسسي.

وبهذا التعريف، لا ينطبق المفهوم على كيان نشأ داخل بنية الدولة نفسها، وتغذّى من مواردها، وهُندس رسميًا ليؤدّي وظائف قسرية ضمن منظومة الحكم. فالدعم السريع لم يتكوّن في مواجهة الدولة، بل في كنفها، ولم يُقصَ عن مركز القوة، بل جرى تمكينه منه.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل البعد التاريخي لتشكّل الوعي السياسي داخل دارفور. فالمكوّن العربي، على وجه الخصوص، لم يرتبط تاريخيًا بسردية التهميش بوصفها إطارًا احتجاجيًا بنيويًا. فقد تشكّل وعيه، لعقود طويلة، ضمن تصوّر اندماجي يرى نفسه قريبًا رمزيًا من المركز الثقافي–السياسي للدولة، حتى في ظل غياب التنمية وتفاقم الأزمات. وعليه، فإن التهميش، بوصفه وعيًا بالإقصاء البنيوي عن الدولة والاعتراف، لم يكن جزءًا أصيلًا من مخياله السياسي المبكر، بل ظلت مطالبه—حين وُجدت—تُصاغ غالبًا ضمن نزاعات محلية أو ترتيبات قبلية، لا بلغة احتجاج على الدولة بوصفها بنية إقصاء شاملة.

من هنا، فإن استدعاء خطاب «التهميش العربي» في مراحل لاحقة لا يعكس امتدادًا تاريخيًا طبيعيًا، بل إعادة تأطير سياسية متأخرة ارتبطت بتحوّل موازين القوة، وبمحاولات استعارة خطاب المظلومية لتبرير سلطة أو عنف.

وهذا ما يمكن تسميته انتحالًا سوسيولوجيًا للتهميش: أي استعارة لمعاناة حقيقية عاشتها مجتمعات أُقصيت فعليًا، وتحويلها إلى غطاء رمزي لسلطة نشأت من القرب البنيوي من أدوات القهر، لا من الإقصاء عنها.

المكوّن العربي، على وجه الخصوص، لم يرتبط تاريخيًا بسردية التهميش بوصفها إطارًا احتجاجيًا بنيويًا. فقد تشكّل وعيه، لعقود طويلة، ضمن تصوّر اندماجي يرى نفسه قريبًا رمزيًا من المركز الثقافي–السياسي للدولة، حتى في ظل غياب التنمية وتفاقم الأزمات.

يسمح هذا الانتحال بتحويل المظلومية إلى رأس مال رمزي يُستثمر سياسيًا. فبدل أن تكون مدخلًا لإعادة توزيع السلطة وبناء العقد الاجتماعي، تُستخدم لإغلاق المجال السياسي ذاته.

فمن يتحدّث باسم «الهامش» يمنح نفسه امتيازًا أخلاقيًا فوق المساءلة، ويُعاد تأطير أي اعتراض بوصفه عداءً للضحايا لا نقاشًا سياسيًا مشروعًا. وهكذا تتحوّل المظلومية من سؤال مفتوح إلى ملكية حصرية، ويغدو الخطاب الأخلاقي ذاته أداةً من أدوات السلطة.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود الخطاب. فالدعم السريع يعمل، بنيويًا، كتنظيم ولاء–ريع لا كحركة «قضية». فالولاء يُنتَج عبر الحماية والمكافأة والاندماج في شبكة نفوذ، فيما يُنتَج الريع عبر السيطرة، والجباية، والاقتصاد الموازي.

وهذا النمط لا يحتاج إلى برنامج دولة بقدر حاجته إلى تدفّق موارد وإدارة ولاءات، لذلك تصبح مفردات الدولة—الدستور، والانتقال، والسيادة—لغة مرافقة لا مُؤسِّسة، تُستخدم لإدارة الانطباع أكثر من كونها تعبيرًا عن تحوّل سياسي فعلي.

فمن يتحدّث باسم «الهامش» يمنح نفسه امتيازًا أخلاقيًا فوق المساءلة، ويُعاد تأطير أي اعتراض بوصفه عداءً للضحايا لا نقاشًا سياسيًا مشروعًا.

في هذا الإطار يتكشّف ما يمكن تسميته نموذج الشرعنة التعويضية المسلحة: شرعية لا تُبنى عبر قبول اجتماعي مؤسسي، بل تُعوَّض خطابيًا بلغة أخلاقية تُخفي فراغها البنيوي. تبدأ العملية باستدعاء المظلومية، ثم تحويلها إلى تفويض قسري، فتملأ القوة المسلحة فراغ السياسة، ويحل اقتصاد العنف محل المؤسسات. الدولة هنا لا تُبنى، بل تُحاكى؛ لذلك يبدو الخطاب حديثًا، فيما تبقى الممارسة ما قبل دولتيّة، لأن الهدف ليس إنهاء العنف، بل تنظيمه بوصفه مصدرًا للسلطة والموارد.

ويتعزّز هذا المسار عبر ما يمكن تسميته الازدواجية السلطوية: سلطة تعمل خارج الدولة في الممارسة، لكنها تتكلّم باسمها في الشرعنة واللغة؛ تُنتج عنفًا باسم الحماية، وتجزيئًا باسم السيادة. هذه الازدواجية لا تُنتج دولة، بل تُعطّل تشكّلها أصلًا. فالمشكلة ليست «فشل التحوّل إلى دولة»، بل قيام نموذج يشتغل بنيويًا على منع تشكّل الدولة.

يتشابك كل ما سبق مع اقتصاد العنف بوصفه نمط إنتاج مكتملًا: السيطرة تولّد موارد، والموارد تعيد إنتاج السيطرة. وفي هذا السياق، يغدو السلام تهديدًا وجوديًا.

على المستوى النفسي–الأخلاقي، يُنتج هذا النموذج شعورًا بالاستحقاق الجمعي: إحساسًا بأن الألم السابق يبرّر تجاوز القواعد لاحقًا.

ومع ترسّخه يحدث فكّ الارتباط الأخلاقي، حيث تُعاد صياغة الأفعال القسرية بوصفها ضرورات، وتُمحى المسؤولية الفردية داخل الجماعة، ويُعاد توجيه اللوم إلى «الآخر». ومع الزمن، يُطبَّع الاستثناء ليغدو قاعدة، وتُعاد هندسة الحس الأخلاقي بحيث يُنظر إلى العنف لا بوصفه انحرافًا، بل كأداة طبيعية لإدارة الواقع.

وتتعمّق هذه البنية عبر صناعة عدوٍّ كلّي. فالعدو هنا وظيفة تنظيمية تُخفّف التناقضات الداخلية، وتبرّر الاستثناء، وتُسكت السؤال الجوهري: من يحكم؟ وكيف؟ ولمصلحة من؟ وكلما كان العدو أكثر تجريدًا، طال أمد التعبئة، وحين يتحوّل الخصم إلى فكرة لا كيانًا محدّدًا، تُصبح الحرب حالة بلا نهاية.

في ظل هذا المنطق، تُدار «الحماية» بوصفها مقايضة لا حقًا. فبدل أن تكون حماية المدنيين وظيفة دولة قائمة على المواطنة، تتحوّل إلى امتياز مشروط بالطاعة؛ يُمنَح الأمن بقدر الامتثال، ويُسحَب عند المخالفة. إنها علاقة هيمنة تُنتج استقرارًا هشًا قائمًا على الخوف، لا على القبول.

وعندما تُستدعى لغة الدولة الحديثة—الدستور، والانتقال، والسيادة—نكون أمام محاكاة مؤسسية: شكل بلا مضمون. فالدولة ليست نصوصًا، بل علاقات اجتماعية مستقرة تقوم على احتكار مشروع للقسر، وقبول عام بالقواعد، وآليات مساءلة. وفي غياب هذه الشروط، تصبح الوثائق أدوات لتوليد اعتراف خارجي، فيما تُشرعن داخليًا تجزئة السيادة بدل استعادتها.

الدولة، في معناها الفلسفي، ليست كيانًا يحتكر القسر فحسب، بل لحظة تاريخية يُفترض أن تُنهي الحاجة إليه؛ انتقال من منطق القوة إلى منطق القاعدة، ومن الاستثناء إلى العمومية، ومن الطاعة إلى الاعتراف المتبادل.

يتشابك كل ما سبق مع اقتصاد العنف بوصفه نمط إنتاج مكتملًا: السيطرة تولّد موارد، والموارد تعيد إنتاج السيطرة. وفي هذا السياق، يغدو السلام تهديدًا وجوديًا، لأنه يفكّك نموذج العمل وهوية التنظيم معًا، فتُقرأ التهدئات بوصفها إدارة للوقت والمواقع، لا مسارًا لإنهاء الصراع.

ويقع الأثر الأعمق على المجتمعات التي زُعم تمثيلها: تفكك الروابط، تآكل المعايير، والدخول في أنوميّة طويلة الأمد تُفضي إلى تطبيع العنف وإعادة تشكيل الحس الأخلاقي. وهي آثار بنيوية لا تزول تلقائيًا بتوقف القتال.

تُظهر التجارب المقارنة قاعدة واضحة: لا انتقال من الشرعية الأخلاقية إلى الشرعية المؤسسية دون تفكيك اقتصاد الحرب الذي أنتج السلطة المسلحة. والحالة السودانية مثال مكثّف على هذه القاعدة.

ليست المعضلة، في جوهرها، معضلة فصيل بعينه، بل معضلة المعنى حين ينفصل عن غايته. فالمظلومية، حين تُستدعى بوصفها أصلًا للسلطة لا سؤالًا للمساءلة، تفقد وظيفتها التحرّرية وتتحوّل إلى أداة هيمنة. وعند هذه النقطة، لا يعود العنف انحرافًا عن السياسة، بل بديلًا عنها، ولا تعود الدولة أفقًا لإنهاء الخوف، بل لغة لإدارته.

فالدولة، في معناها الفلسفي، ليست كيانًا يحتكر القسر فحسب، بل لحظة تاريخية يُفترض أن تُنهي الحاجة إليه؛ انتقال من منطق القوة إلى منطق القاعدة، ومن الاستثناء إلى العمومية، ومن الطاعة إلى الاعتراف المتبادل. وكل سلطة تُعرّف نفسها عبر استمرار الاستثناء إنما تُعيد المجتمع إلى ما قبل الدولة، حتى وإن تكلّمت باسمها.

تُظهر التجارب المقارنة قاعدة واضحة: لا انتقال من الشرعية الأخلاقية إلى الشرعية المؤسسية دون تفكيك اقتصاد الحرب الذي أنتج السلطة المسلحة.

وحين تُعاد صياغة الألم بوصفه سيادة، والهوية بوصفها تفويضًا، والعنف بوصفه ضرورة، يُغلق أفق السياسة من داخله. فحين تُستعار المظلومية لتأسيس السلطة، لا تُستعاد الكرامة، بل يُعاد إنتاج الخوف باسمها.

فالدولة، في معناها الفلسفي، ليست كيانًا يحتكر القسر فحسب، بل لحظة تاريخية يُفترض أن تُنهي الحاجة إليه؛ انتقال من منطق القوة إلى منطق القاعدة، ومن الاستثناء إلى العمومية، ومن الطاعة إلى الاعتراف المتبادل. وكل سلطة تُعرّف نفسها عبر استمرار الاستثناء إنما تُعيد المجتمع إلى ما قبل الدولة، حتى وإن تكلّمت باسمها.

وحين تُعاد صياغة الألم بوصفه سيادة، والهوية بوصفها تفويضًا، والعنف بوصفه ضرورة، يُغلق أفق السياسة من داخله. فحين تُستعار المظلومية لتأسيس السلطة، لا تُستعاد الكرامة، بل يُعاد إنتاج الخوف باسمها.

 

،،الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ،،

 

حضرموت وإدارة اللاحسم: كيف يُدار الصراع حين يصبح الحل أخطر من الحرب – الراصد الاثيوبي – ETHIO MONITOR

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  (To Type in English, deselect the checkbox. Read more here)
زر الذهاب إلى الأعلى
Lingual Support by India Fascinates